عباس الماحىفي نقطة سطر جديد… كلامٌ في السليم

عباس الماحى
نقطة سطر جديد

ليست الحياة ميدانًا يتسابق فيه أصحاب الأصوات المرتفعة، ولا منصةً يعتليها من يُجيد الكلام أكثر ممن يُجيد الفعل… وليس كل من يتحدث يُصغي الناس إليه، وليس كل من يتصدر المشهد يترك أثرًا.
هناك أشخاص، إذا تكلموا سكنت الضوضاء، وإذا تصرفوا تعلّم الآخرون معنى الحكمة، وهزّت كلماتهم القلوب. هؤلاء هم الذين يُقال عنهم: “كلامه في السليم.”
فاحترام الإنسان يكون بحسن تصرفه، وبما يتركه حديثه من أثرٍ في النفوس وعمقٍ في المعنى، لا بعلو منصبه، ولا بما يملك من سلطة، وإنما بسمو أخلاقه، وما يمنحه من عدل ورحمة وإنصاف. فالرجال العظام لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم المواقف، ولا ترفعهم الألقاب، بل ترفعهم المبادئ التي لا يحيدون عنها.
وتلك العبارة التي تتردد على ألسنة الناس: “كلامه في السليم.” ليست مجرد ثناء، بل شهادة رفيعة لا ينالها إلا من أتقن فن الكلمة، وجمال التصرف، وصدق النية، وحسن القيادة، وجعل الحكمة رفيقة لسانه، والإخلاص عنوان عمله، والعدل ميزان قراراته.
فالكلمة إذا خرجت من قلبٍ صادق، دخلت كل قلبٍ بغير استئذان.
ولذلك، فإن أعظم القادة ليسوا أولئك الذين يأمرون الناس، بل الذين يلهمونهم. وأفضل المسؤولين ليسوا من تُفتح لهم الأبواب، بل من يفتحون أبواب الخير لغيرهم، ويجعلون من مناصبهم وسيلةً لخدمة الناس لا للتفاخر عليهم. وصاحب العمل الناجح ليس من كثرت أرباحه، وإنما من كثرت ثقة الناس به.
فالسمعة الطيبة رأس مالٍ لا تُقدّره خزائن الأرض، والثقة جسرٌ لا يُبنى إلا بالحقيقة.
كل مبدع في عمله يعرف أن الإتقان ليس واجبًا وظيفيًا فحسب، بل أسلوب حياة، وأن النجاح لا يولد في لحظة، بل ينمو بصبر الأيام، ويشتد بعزيمة أصحاب الهمم، ويثمر حين يقترن العلم بالأخلاق.
الإبداع لا يبدأ بالفكرة، بل يبدأ بالضمير.
فكم من فكرةٍ بسيطة صنعت تحولًا عظيمًا، وكم من قرارٍ حكيم أنقذ مؤسسة، وكم من كلمةٍ مشجعة صنعت قائدًا، وكم من ابتسامةٍ صادقة أعادت الأمل إلى قلبٍ أنهكه التعب، وكم من موقفٍ نبيل غيّر حياة آخرين.
إن أصحاب الأثر لا يبحثون عن التصفيق، لأنهم يعلمون أن أعظم التصفيق دعوةٌ صادقة تخرج من قلب إنسانٍ انتفع بعملهم.
من أراد أن يبقى اسمه، فليجعل أثره أكبر من حضوره.
وفي كل ميدان نجد رجالًا ونساءً ينسجون النجاح بصمت؛ المعلم الذي يغرس في طلابه حب المعرفة، والطبيب الذي يرى في مهنته رسالةً قبل أن تكون وظيفة، والمهندس الذي يبني بإخلاص، والجندي الذي يحرس وطنه بوفاء، والموظف الذي يؤدي عمله وكأن المؤسسة ملكه، وصاحب العمل الذي يجعل الجودة وعدًا لا يتخلف عنه.
هؤلاء جميعًا يجمعهم خيط واحد… أنهم لا ينتظرون من يراقبهم حتى يُحسنوا العمل، لأن ضمائرهم هي الرقيب الأول.
إذا صلح الضمير، استقام الطريق، ولو كثرت منعطفاته.
ولأن الحياة لا تحفظ إلا أصحاب الأثر، فإن التاريخ لم يخلّد الذين أكثروا من الحديث، بل خلّد الذين أكثروا من العطاء وغرسوا القيم. فالكلمات الجميلة قد تُعجب الناس ساعة، أما الأعمال النبيلة فتعيش في ذاكرتهم أعوامًا.
ليس المجد أن يعرف الناس اسمك، بل أن يدعوا لك حين يُذكر اسمك.
ولذلك، لا تجعل غايتك أن تكون مشهورًا، بل أن تكون مؤثرًا. ولا تجعل همّك أن يسمع الناس صوتك، بل أن يشعروا بقيمة وجودك بينهم.
كل نجاحٍ لا تحرسه الأخلاق، نجاحٌ مؤقت.
وكل منصبٍ لا يزينه التواضع، يفقد هيبته مع مرور الزمن.
وكل كلمةٍ لا يسندها عمل، تذروها الرياح كما تذرو الرياح أوراق الخريف.
إن الإنسان حين يغادر الدنيا، لا يحمل معه مالًا، ولا منصبًا، ولا جاهًا، وإنما يحمل صحيفة عمله، ويترك خلفه سيرته. فإن كانت سيرته عطرة، بقي حيًا في القلوب وإن غاب عن العيون.
ولهذا، اجعل من كل يوم فرصةً لتضيف إلى رصيدك موقفًا كريمًا، أو كلمةً صادقة، أو يدًا تمتد بالعون، أو عملًا متقنًا، فالأيام تمضي، أما الأثر فيبقى.
واعلم أن الناس قد تنسى وجهك، لكنها لا تنسى عدلك، وقد تنسى صوتك، لكنها لا تنسى صدقك، وقد تنسى منصبك، لكنها لا تنسى أخلاقك.
تحية إجلال لكل من جعل من عمله رسالة، ومن منصبه أمانة، ومن كلمته عهدًا، ومن أخلاقه هوية. تحية لكل مسؤولٍ أنصف، ولكل صاحب عملٍ أخلص وجعل الجودة مبدأً، ولكل موظفٍ أتقن عمله وأدّاه بضمير، ولكل مبدعٍ أضاء الطريق بفكرة، ولكل إنسانٍ آمن بأن يكون قدوةً في القول والعمل.
فالنجاح ليس بما نحققه لأنفسنا، بل بما نتركه من خيرٍ في حياة الآخرين.
وسيظل الوسام الأجمل، الذي لا تمنحه مؤسسة ولا تكتبه شهادة، هو أن يقول الناس عنك، بقلوبٍ صادقة قبل ألسنتهم:
“هذا رجلٌ… كلامه في السليم.”
فإذا أردت أن تُذكر بخير، فاجعل كلامك في السليم، وقرارك في السليم، وتعاملك في السليم. ازرع الثقة في النفوس، وانشر التفاؤل في الوجوه، واجعل من كل يوم فرصةً لتقديم الأفضل.
فإذا شهدت لك الأيام بحسن الأثر، وشهد لك الناس بطيب السيرة، وشهد لك ضميرك بإخلاص العمل، فقد ربحت أعظم نجاح، ونلت أعظم تكريم، وكتبت اسمك في سجل المبدعين، لا بحبر الأقلام، بل بأحرفٍ من ذهب، في صفحات القلوب قبل صفحات التاريخ.
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك بصيرتي