Uncategorized

رموز عربيةالمنهدس بدر العتيبي حين تصبح الأخوة سلوكًا لا شعارًا

بدر العتيبي

حين تصبح الأخوة سلوكًا لا شعارًا

بدر العتيبي

نقطة سطر جديد

عباس الماحى


ليست العلاقات بين دول الجوار مجرد اتفاقيات تُوقَّع، ولا بيانات تُقرأ في المناسبات الرسمية، وإنما هي منظومة من القيم الإنسانية التي تتجسد في الإنسان قبل المكان…وحين تمتد جسور المحبة بين أبناء الوطن العربي بعيدًا عن المصالح الضيقة والحسابات الآنية، وتصبح الأخوة سلوكاً لا شعاراً، ندرك أن ما يجمعنا أكبر من الحدود، وأن اللغة والتاريخ والدين والثقافة والمصير المشترك ما زالت قادرة على صناعة رجال يمثلون ضمير الأمة، ويجسدون المعنى الحقيقي للأخوة العربية.


وفي زمنٍ أصبحت فيه المجاملات سريعة، والعلاقات عابرة، يطل عليك أحيانًا إنسان يعيد إليك الثقة في معدن العرب الأصيل…يحدثك عن وطنك وكأنه أحد أبنائه، يعرف تاريخه، ويحفظ أسماء رجالاته، ويحدثك عن مثقفيه وروائييه ومفكريه، ويأخذك في رحلة بين تفاصيل ربما غابت عن كثير من أهل البلد أنفسهم. تستمع إليه بإعجاب، وتدرك أنك أمام ثقافة واسعة، واطلاع عميق، ومحبة صادقة لا تعرف حدودًا جغرافية.
ذلك هو الأخ الباشمهندس بدر العتيبي، الرجل الذي لم تجمعني به جلسة، ولم أتشرف بلقائه بعد، لكن جمعنا الأدب والاحترام، وجمعتنا الثقافة والعمل التطوعي، وهما من أنبل الميادين التي تلتقي فيها الأرواح قبل الوجوه…وصلتني منه رسالة لم تكن مجرد كلمات، بل كانت قطعة من الأدب الراقي، ودرسًا في الذوق والوفاء وحسن الخلق. كلمات دخلت القلب قبل أن تمر على العقل، حتى وجدت نفسي أتساءل: أحقًا يقصدني بكل هذا التقدير؟ أم أن هذه العبارات الرقيقة قد ضلت طريقها؟ لكنها لم تكن إلا انعكاسًا لشخصية رجل يعرف قيمة الكلمة، ويؤمن بأن أجمل ما يتركه الإنسان بعده هو أثره الطيب في نفوس الآخرين.


ولعل ما أدهشني أكثر أن الأخ بدر مهندس في مهنته، لكنه أثبت لي أن الهندسة ليست علمًا يُمارس في تشييد المباني فحسب، وإنما هي أيضًا فن في تشييد المعاني. لقد هندس كلماته كما يهندس المهندس مشروعًا متكاملًا؛ وضع لكل عبارة مكانها، ولكل معنى وزنه، ولكل إحساس توقيته، حتى خرجت رسالته بناءً إنسانيًا متينًا، أساسه الصدق، وأعمدته الأخلاق، وسقفه المحبة، ونوافذه تطل على فضاء الأخوة العربية الرحب.
لقد أيقنت وأنا أقرأ رسالته أن بعض الناس يكتبون الكلمات، بينما هناك رجال يصنعون بها الحياة.


فالمهندس الحقيقي ليس من يبني الحجر وحده، بل من يبني الإنسان، ويشيد جسور المحبة بين القلوب.
والكلمة الصادقة قد تبني في لحظة ما تعجز سنوات طويلة عن بنائه.


والثقافة ليست كثرة الكتب التي نقرأها، وإنما مقدار الاحترام الذي نمنحه للناس، والمحبة التي نحملها في قلوبنا للأوطان وللإنسان.


وليس غريبًا أن يكون هذا النموذج من دولة الكويت الشقيقة، تلك الدولة التي عرفها العرب بمواقفها المشرفة، وبشعبها الكريم، وبأعمالها الإنسانية التي امتدت إلى أصقاع الأرض… فقد رسخت الكويت مكانتها في الضمير العربي بما قدمته من مشاريع خيرية وتنموية وإغاثية، حتى أصبحت حاضرة في وجدان الشعوب قبل أن تكون حاضرة في خرائط الجغرافيا… ولطالما تسابق أهلها، قيادةً وشعبًا، إلى نجدة المحتاج، وإغاثة المنكوب، ومد يد العون لكل من ضاقت به السبل، مستلهمين في ذلك تعاليم الإسلام السمحة، التي تجعل العطاء خالصًا لله، لا ينتظر صاحبه جزاءً ولا شكورًا.
ورغم أنني لم أتشرف بزيارة الكويت حتى اليوم، فإنني أشعر أنني أعرفها من خلال رجالها وأخلاقهم، ومن خلال حضورها الإنساني في كل مكان…فهناك أوطان تُعرف بحدودها، وهناك أوطان تُعرف برجالها، والكويت من هذا الصنف الجميل.


أما العلاقة بين السودان والكويت، فهي ليست علاقة مصالح، وإنما علاقة ضاربة الجذور في التاريخ، رسختها المواقف الصادقة، وعززتها المحبة الصافية بين الشعبين. فما قدمته الكويت للسودان في مجالات التنمية والتعليم والصحة والعمل الإنساني سيظل محل تقدير وامتنان، كما ظل السودان وفيًا لمبادئه في الوقوف إلى جانب أشقائه العرب كلما استدعت الحاجة.
ويحفظ التاريخ صفحة مشرقة من صفحات هذه العلاقة الأخوية…ففي مطلع ستينيات القرن الماضي، وعندما تعرضت دولة الكويت لتهديدات الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، سارعت جامعة الدول العربية إلى تشكيل قوة عربية مشتركة لحماية الكويت، وكان من بين تلك القوات كتيبة من الجيش السوداني.


وبعد أن أدت الكتيبة واجبها وعادت ساعة الوداع، منح أمير الكويت لكل جندي ظرفًا يحتوي على مبلغ من المال وساعة فاخرة تقديرًا لموقفهم…غير أن قائد الكتيبة، اللواء الركن صديق الزيبق، أمر جنوده بالاصطفاف، ثم صدح بأمره العسكري الذي أصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية: “أرضًا… ظرف.” فوضع الجنود جميعًا المظاريف على الأرض، ثم تحركوا في نظامهم العسكري نحو الطائرات التي أقلتهم إلى السودان، تاركين خلفهم رسالة خالدة مفادها أن أداء الواجب لا يُشترى، وأن شرف الجندية أكبر من كل مكافأة.
كانت تلك الحادثة درسًا في الكرامة، لكنها كانت أيضًا درسًا في الحب المتبادل بين شعبين شقيقين؛ فمنحُ الهدية كان تعبيرًا عن الامتنان، ورفضُها كان تعبيرًا عن أن الواجب تجاه الأشقاء لا يُؤدى انتظارًا لمقابل، وإنما وفاءً للعهد وانتماءً للأمة.


واليوم، وأنا أقرأ رسالة أخي الباشمهندس بدر العتيبي، شعرت أن تلك الروح الأصيلة ما زالت حية، وأن الرجال الذين يصنعون جسور المحبة بين الشعوب لم ينقرضوا. فبدر ليس مجرد شخص، وإنما نموذج عربي نفتخر به؛ يحمل وطنه في أخلاقه، ويحمل أمته في قلبه، ويرى في كل عربي أخًا يستحق المحبة والاحترام.


إن الأمة العربية لا ينقصها التاريخ، وإنما تحتاج إلى رجال يصنعون مستقبلها بأخلاقهم.
ولا تُقاس قيمة الإنسان بما يملك، وإنما بما يتركه من أثر في قلوب الناس.


والأوطان العظيمة لا تصنعها الأبراج الشاهقة وحدها، وإنما يصنعها الرجال الشامخون بقيمهم ومواقفهم.
تحية للكويت، قيادةً وشعبًا، وتحية لكل رجل جعل من الأخوة العربية سلوكًا يوميًا لا شعارًا موسميًا.


وتحية خاصة للأخ الباشمهندس بدر العتيبي، الذي لم يكتفِ بهندسة المشاريع، بل أتقن هندسة الكلمة، وبناء الجسور بين القلوب، وأثبت أن الرسالة الصادقة قد تختصر مسافاتٍ لا تختصرها السنوات.


وإلى أهل الكويت جميعًا أقول: إننا في السودان نبادلكم المحبة بالمحبة، والوفاء بالوفاء، ونحفظ لكم تاريخًا من المواقف المشرفة التي لن تمحوها الأيام. فبين الخرطوم والكويت قصة أخوة كتبتها المواقف قبل الأقلام، وستظل بإذن الله حاضرة في ذاكرة الأجيال.


وسيظل العرب بخير، ما دام بينهم رجال إذا تحدثوا صدقوا، وإذا أحبوا أخلصوا، وإذا أعطوا لم ينتظروا شكرًا، لأنهم أدركوا أن أعظم استثمار في الحياة هو بناء الإنسان، وأجمل الأوطان هو الوطن الذي يسكن القلوب قبل الخرائط.

بصيرتي برس

لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية ووالمقالات تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك

https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى