نحن السودانيين.. لا نستجدي الشفقة ولا نحتاج لأعلام الملاعب لتذكر بنا!… أحمد عامر حسون


إلى الدكتور محمد عباس.. صاحب عمود “رسالة وعي” الذي نحبه ونتابع أطروحاته بتقدير.
أحمد عامر حسون
قرأت المقال المتداول في عمودكم الوازن، والذي تتساءلون فيه بعتب أخوي: (لماذا لا يرفع مدرب منتخب مصر علم السودان كما رفع علم فلسطين؟). وحقيقة، استوقفني الطرح كثيراً، وتمنيت لو أن هذه الأطروحة بالذات قد تشابهت مع اسم عمودكم الموقر وحملت ذات (الوعي) المعهود فيه، بدلاً من الانسياق وراء عاطفة عابرة.
ورغم تفهمي العميق للدوافع الإنسانية النبيلة لكل سوداني يتألم على وطنه وينشد لفت الانتباه لمأساته، إلا أنني كمواطن سوداني أجد نفسي مجبراً على رفض هذه النبرة تماماً، وأقولها بملء الفم وبعزة نفس سودانية وعربية خالصة: نحن شعب لا يستجدي الشفقة من أحد، ولا ننتظر من مدرب كرة قدم في محفل رياضي أن يرفع علمنا ليُذكّر العالم بوجودنا!
إن تاريخ السودان الضارب في الجذور، وكرامة إنسانه العزيز، أرفع وأسمى من أن نختزل قضيتنا الوجودية في لفتة تعاطف نطلبها أو نرجوها في مباراة كرة قدم. ثم إن المقارنة بين قضيتنا والقضية الفلسطينية في هذا السياق هي مقارنة غير دقيقة، وتفتقر للوعي السياسي الحقيقي بملفات المنطقة وطبيعة الصراعات فيها.
فلسطين تواجه احتلالاً أجنبياً استيطانياً مباشراً منذ عقود، وهي قضية تصفية استعمار واضحة ومجمع عليها أخلاقياً ودولياً. أما ما يحدث في السودان اليوم، فهو ليس مجرد حرب داخلية أو نزاع تقليدي، بل هي مؤامرة وتدخل إقليمي قذر تقوده أطراف معروفة، تدعم مليشيا الغدر لتدمير الدولة السودانية، وتفكيك مؤسساتها، ونهب ثرواتها، وتشريد شعبها. نحن نواجه حرباً بالوكالة مدفوعة الثمن لإركاع هذا الوطن العظيم وتغيير تركيبته.
وسط هذا المشهد البالغ الحساسية، تصبح مطالبة مدرب منتخب مصر برفع العلم مراهقة سياسية لا قيمة لها. مصر ليست متفرجة أو عابرة سبيل لتكتفي برفع علم كـ بروتوكول عاطفي بارد؛ الشقيقة مصر تدرك تماماً حجم المؤامرة الإقليمية على السودان لأن أمن السودان واستقراره هو جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي والوجودي.
الموقف المصري الحقيقي يتجاوز الملاعب والعدسات؛ فمصر تقف في الجانب الاستراتيجي الصحيح بدعمها السياسي لمؤسسات الدولة السودانية الشرعية في وجه مخططات التفكيك، فضلاً عن أنها فتحت بيوتها وحدودها ومستشفياتها ومدارسها لاستقبال ملايين السودانيين كأشقاء مكرمين لا كلاجئين، يتقاسمون مع أهل مصر لقمة العيش والأمان والترحاب اليومي.
هذا هو الدعم الحقيقي والموقف الذي يبقى وتلهج به الألسن شكراً وعرفاناً، وهو أبلغ بملايين المرات من حركة استعراضية أو لقطة تلفزيونية لثوانٍ معدودة في ملعب كرة قدم، تخضع قوانينه الصارمة أصلاً لمنع الشعارات السياسية في النزاعات المسلحة.
نحن لا نحتاج إلى تضامن رمزي يخرج من باب العطف والتدجين. السودان يمر بمحنة قاسية، نعم، لكنه يمر بها واقفاً، بشموخ أهله، وعزيمة رجاله، وبسالة ومجاهدات جيشه العظيم. إننا لا نستجدي أحداً ليروي مأساتنا أو يبكي علينا، بل نملك من الوعي ما يجعلنا نعرف جيداً من يدعمنا ويسندنا على الأرض ومن يتآمر علينا خلف الكواليس ويشتري الذمم، ونترفع كلياً عن معارك الملاعب الجانبية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
شكراً لمصر القيادة والشعب التي احتضنت أهلنا ودعمت دولتنا في معركتها المصيرية، ودعوا الملاعب للرياضة وأجوائها، فالسودان وجيشه وشعبه أكبر بكثير من أن ينتظروا لفتة عابرة من مدرب كرة قدم ليثبت للعالم أنهم يخوضون معركة شرف وكرامة.
لك كل الحب والتقدير والاحترام د. محمد عباس.
أحمد عامر
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/