نفيسه برعي تكتب: ضحية الحاضر وأمل المستقبل

الكره الأرضية
نفيسه برعي
لا يختار الإنسان الزمن الذي يولد فيه. لكن جيل الالفينات وُلد في توقيت قاسٍ، فكبر مبكراً قبل أوانه.
هو الجيل الذي دخل المدرسة في عهد، وتخرج من الجامعة في عهد آخر، ويبحث عن وظيفة في واقع ثالث لا يشب
أياً منهما.
العامل الاقتصادي هو أول وجوه المعاناة حيث تخرج آلاف الشباب من الجامعات بشهادات وتفوق، ليصطدموا بسوق عمل مشلول وبطالة مقننه
المرتب الذي كان يكفي لأسرة شهراً، أصبح لا يكفي لشاب أسبوعاً. فكرة “البيت والعربية والاستقرار” التي ربى عليها الآباء أبناءهم، تحولت إلى رفاهية مستحيلة.
النتيجة الطبيعية كانت هجرة العقول. فاصبح السودان يصدر أطباءه ومهندسيه ومبرمجيه، ويستورد الإحباط.
لم يعد يحلم بالثراء، بل يحلم فقط بـ “فرصة”.شرا1ؤف
سياسياً، هذا الجيل لم يعرف الاستقرار. نشأ على وقع الحروب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وعاصر الانفصال، ثم الثورة، ثم التغيير، ثم الحرب الأخيرة.
كل مرة كان يُقال لهم “هذه هي البداية”، لكن النهايات كانت دائماً مؤجلة.
تولدت لديهم حالة من “اللامبالاة السياسية” ليست عن جهل، بل عن إرهاق. لم يعودوا يصدقوا الشعارات، لأنهم رأوا الشعارات تسقط في الشارع قبل أن تسقط في البرلمان.
غياب المشروع الوطني الواضح جعل انتماءهم مهزوزاً. الوطن بالنسبة لكثيرين أصبح “مكان مؤقت” وليس “مستقبل دائم”.
اجتماعياً، يعيش هذا الجيل على مفترق طرق. فتحت لهم السوشيال ميديا العالم على مصراعيه، فرأوا كيف يعيش أقرانهم في دول أخرى. فدخلنا في دوامة المقارنة التي تقتل الرضا.
في المقابل، التفكك الأسري بسبب النزوح والغربة والضغوط المعيشية أضعف السند الأول للشاب. القيم القديمة تتهاوى، والجديدة لم تترسخ بعد.
اصبح الشاب تائهاً بين “عيب” المجتمع و”عادي” العالم. بين من يطالبه بالصبر، ومن يطالبه بالهجرة.
كل تلك المعطيات أنتجت ضغطاً نفسياً غير مسبوق. قلق مزمن، اكتئاب، شعور بالذنب لأنهم “ما عملوا حاجة للبلد”، وجلد ذات لأنهم “ما قادرين يطلعوا منها”.
البعض استسلم للمخدرات واليأس. والبعض الآخر قرر أن يحول الألم إلى طاقة. رأيناهم في غرف الطوارئ، وفي المبادرات، وفي الفن، وفي الكتابة. هم أكثر جيل أنتج محتوى وأطلق مبادرات رغم كل شيء.
خلاصة الامر جيلي ليس جيلاً ضائعاً كما يصوره البعض. بل هو جيل مُتعب، مُرهق، لكنه واعٍ ومثقف وعنيد.
إذا أردنا وطناً متماسكاً، فعلينا أن نكف عن لوم هذا الجيل، وأن نبدأ في الاستماع إليه واحتوائه.
لأن الاستثمار فيه ليس رفاهية.. هو مسألة بقاء.
فإما أن نكسب جيل جديد أو نخسر السودان القادم

بصيرتي برس بصيرة الوطن
لتصلكم إشعارات الأخبار العاجلة والتقارير اليومية، تابعونا الآن على فيسبوك: [رابط الصفحة].