كلمة «زول»أصالة اللفظ وثراء الدلالة

عباس الماحى
نقطة سطر جديد
زول
تُعد كلمة «زول» من أكثر الكلمات ارتباطًا باللهجة السودانية، حتى أصبحت علامةً لغويةً تميز السودانيين في أنحاء العالم العربي… غير أن كثيرًا من الناس يظنون أنها كلمة عامية خالصة، أو أنها نشأت في السودان، بينما تثبت المعاجم العربية القديمة، مثل لسان العرب وتاج العروس والقاموس المحيط، أن «زول» لفظ عربي فصيح ذو جذور عريقة في اللغة العربية.
وقد ذكرت المعاجم للكلمة معاني متعددة، منها: الرجل أو الشخص، والخفيف الظريف، والكريم الجواد، والفطن الذكي، والشجاع المقدام، إلى جانب معانٍ أخرى عديدة تزيد على عشرين معنى في بعض كتب اللغة…وهذا التعدد في الدلالات ليس غريبًا على العربية؛ فهي لغة تتسع ألفاظها لمعانٍ مختلفة يحددها السياق.
أما في السودان، فقد استقر استعمال الكلمة منذ قرون لتدل على الشخص أو الرجل بوجه عام، دون أن تقتصر على معنى الشجاعة أو الفطنة.
كما شاع استعمال «زولة» للدلالة على المرأة، وهي صيغة تتفق مع أساليب العربية في تأنيث الأسماء. وظهر كذلك جمع «أزوال» في الاستعمال الشعبي، وإن كان من الجموع الدارجة أكثر من كونه الجمع الذي أثبتته كتب اللغة القديمة.
ويلاحظ أن كثيرًا من الأشقاء في بعض البلدان العربية يجهلون الأصل العربي الفصيح لكلمة «زول»، فيتناولونها أحيانًا على سبيل الطرافة أو المداعبة عند مخاطبتنا، ظنًا منهم أنها كلمة عامية خاصة بالسودان. والحقيقة أن هذه الكلمة من الألفاظ العربية القديمة التي حفظها الاستعمال السوداني، في حين قلَّ أو اندثر استعمالها في معظم البيئات العربية الأخرى.
وليس هذا الأمر مقصورًا على كلمة «زول» وحدها، فقد شهد عدد من علماء اللغة والأدب بأن اللهجة السودانية احتفظت بكثير من الألفاظ العربية الفصيحة التي اندثر استعمالها في أقطار عربية أخرى، وهو ما يعكس عمق الصلة التاريخية بين السودان واللغة العربية.
ويُعد السودانيون من أكثر الشعوب العربية محافظةً على مفردات وتراكيب ذات أصول فصيحة، حتى إن الباحثين في اللهجات العربية يجدون في الكلام السوداني شواهد لغوية تعين على فهم ألفاظ وردت في كتب التراث. ولذلك تُعد اللهجة السودانية من أقرب اللهجات إلى العربية الفصحى.
وقد أسهم انتشار الخلاوي، والعناية بحفظ القرآن الكريم، والاهتمام بعلوم العربية والبلاغة، في ترسيخ هذا الإرث اللغوي عبر الأجيال، حتى غدت الفصاحة جزءًا من الثقافة السودانية المتوارثة.
ومن الأقوال المشهورة في الأوساط الثقافية العربية: «تكتب مصر، وتطبع لبنان، ويقرأ السودان»، وهو قول متداول يُراد به الإشادة بمكانة القراءة والكتاب والثقافة في السودان. كما اشتهرت الإذاعة السودانية ببرامجها اللغوية والأدبية الرفيعة.
ولم يكن هذا الحضور اللغوي والثقافي وليد الصدفة، بل أسهمت فيه شخصيات كبيرة كرست حياتها لخدمة العربية، وفي مقدمتها العالم اللغوي والأديب الراحل البروفيسور عبد الله الطيب (1921م–2003م)، أحد أبرز أعلام العربية في القرن العشرين. فقد عُرف بتمكنه الاستثنائي من علوم اللغة والأدب والبلاغة، وكان يرى أن فهم القرآن الكريم لا يكتمل إلا بفهم العربية في نقائها واتساعها؛ ولذلك كان يربط بين التفسير والبيان اللغوي ربطًا بديعًا.
ومن أشهر ما قدمه للمستمع العربي برنامجه الإذاعي «مع القرآن»، الذي ظل سنوات طويلة يُبث عبر إذاعة أم درمان، ثم عبر عدد من الإذاعات العربية، حيث تناول الآيات الكريمة بأسلوب يجمع بين التفسير واللغة والأدب والبلاغة، بعيدًا عن التكلف، حتى أصبح البرنامج مدرسةً لغويةً يتتلمذ عليها آلاف المستمعين داخل السودان وخارجه. وقد جُمعت حلقات هذا البرنامج لاحقًا في مؤلفات حملت الاسم نفسه، ولا تزال تُعد من أمتع ما كُتب في التفسير البياني للقرآن الكريم.
وكان البروفيسور عبد الله الطيب يردد في أكثر من مناسبة أن «القرآن هو الديوان الأكبر للعربية»، وأن من أراد التمكن من العربية فعليه أن يجعل القرآن الكريم أساس دراسته، وهو منهج انعكس بوضوح في برامجه ومحاضراته ومؤلفاته، وفي مقدمتها موسوعته الشهيرة «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها»، التي تُعد من أهم المراجع في الأدب العربي الحديث.
ولا ننسى البرنامج ذائع الصيت «لسان العرب»، الذي قدمه الإعلامي الراحل فراج الطيب عبر إذاعة أم درمان.
ولعل ذلك يفسر كثرة المفردات العربية الأصيلة المتداولة في السودان حتى اليوم، الأمر الذي يجعل اللهجة السودانية من أغنى اللهجات العربية بالشواهد الفصيحة، مع بقائها، بطبيعة الحال، إحدى اللهجات العربية التي تمتاز بخصائصها الصوتية والدلالية، شأنها شأن سائر اللهجات.
ومن ثم، فإن الاعتزاز بكلمة «زول» ليس اعتزازًا بلفظ عامي، وإنما هو اعتزاز بكلمة عربية أصيلة حفظتها الذاكرة السودانية، وأبقتها حية في الاستعمال اليومي، حتى أصبحت رمزًا للهوية اللغوية السودانية، وشاهدًا على أن اللهجات العربية كثيرًا ما تحتفظ بألفاظ فصيحة اندثر استعمالها في غيرها.
ومن المهم التأكيد على أن القول بأن «زول» لا تعني حصرًا الشجاع أو الذكي أو الفطن، من الناحية اللغوية، قول صحيح؛ فهذه معانٍ وردت للكلمة في بعض كتب اللغة، لكنها ليست معناها الوحيد. أما أشهر معانيها في الاستعمال السوداني المعاصر فهو «الشخص» أو «الرجل»، وهو الاستعمال الذي أصبح السمة الأبرز لهذه الكلمة، مع احتفاظها بأصولها العربية الفصيحة.
إن كلمة «زول» ليست مجرد مفردة يتداولها السودانيون في حياتهم اليومية، بل هي شاهد حي على رحلة طويلة من المحافظة على التراث اللغوي العربي…وما بقي من هذه الكلمة في السودان ليس استثناءً، بل مثال على قدرة اللهجات العربية على صون ألفاظ فصيحة ربما غابت عن الاستعمال في بيئات عربية أخرى.
ومن هنا، فإن النظر إلى «زول» على أنها مجرد كلمة عامية يُفوِّت علينا حقيقتها اللغوية والتاريخية؛ فهي صفحة من صفحات العربية لا تزال تُقرأ على ألسنة السودانيين كل يوم.
وإذا كانت اللغة هوية الأمة ووعاء حضارتها، فإن الحفاظ على هذه المفردات الأصيلة والاعتزاز بها هو حفاظ على جزء من الذاكرة العربية المشتركة.
ولعل كلمة «زول»، بكل ما تحمله من أصالة وثراء، تظل خير شاهد على أن السودان لم يكن حافظًا للغة العربية فحسب، بل كان أحد أوعيتها التي صانت كثيرًا من كنوزها، وأبقتها حيّة نابضة في اللسان والوجدان.
فكلمة «زول» ليست مجرد مفردة نتداولها في أحاديثنا اليومية، وإنما هي شاهد لغوي على أن السودان ظل، عبر القرون، أحد الحراس الأمناء للغة العربية، حافظًا لكثير من ألفاظها الفصيحة التي خفت استعمالاتها في غيره من الأقطار.
وما يظنه بعض الناس كلمة عامية خاصة بالسودان هو، في حقيقته، لفظ عربي أصيل تشهد له أمهات المعاجم، وتؤيده كتب اللغة والتراث.
ولعل أجمل ما في هذه الكلمة أنها تختصر قصةً كاملة؛ قصة شعب أحب العربية، وتعلمها في الخلاوي، وحفظها بالقرآن، وأحياها في الإذاعة والمدرسة والجامعة، حتى بقيت ألفاظها الفصيحة تنبض على ألسنة الناس في حياتهم اليومية. وهكذا تبقى «زول» أكثر من كلمة؛ إنها رمز لذاكرة لغوية، وعنوان لهوية ثقافية، ودليل على أن السودان لم يكن مجرد متحدث بالعربية، بل كان، ولا يزال، واحدًا من أوثق أوعيتها وأوفى حراسها.
