الرأي والمقالاتالثقافة والفنون

فارس على حصان أبيض

عباس الماحى

نقطة سطر جديد

فارس على حصان أبيض

عباس الماحي.. فارس على حصان أبيض

لطالما ارتبط في المخيلة الشعبية أن الرجل المثالي والمنتظر هو الفارس الذي يمتطي حصانًا أبيض، ذلك الحلم الذي راود الكثير من الفتيات…فلم يعد هذا التعبير مجرد صورة رومانسية تتردد في القصص والروايات، بل أصبح عند بعض الناس نموذجًا يُنتظر أن يتحقق على أرض الواقع…فالشاب المطلوب اليوم، في نظر بعض الفتيات وبعض الأسر، يجب أن يجمع بين الشجاعة والكرم والنجاح، وأن يكون ثريًا، وصاحب وظيفة مرموقة، ومن أسرة ذات مكانة اجتماعية، ومالكًا لمنزل وسيارة، وقادرًا على إقامة حفل زفاف فاخر، فضلًا عن تمتعه بالوسامة والكاريزما والأخلاق العالية…وكأن المطلوب ليس إنسانًا، بل شخصية مثالية لا وجود لها إلا في الخيال.


ومع مرور الزمن، تحولت هذه الصورة لدى بعض الناس من مجرد رمز أدبي إلى معيار يُقاس عليه شريك الحياة، حتى أصبح كثير من الشباب يشعرون بأنهم مطالبون بتحقيق مواصفات يصعب اجتماعها في شخص واحد.


ولا خلاف على أن من حق كل فتاة أن تبحث عن شريك يوفر لها الأمان والاحترام والسعادة والاستقرار، كما أن من حق الأسرة أن تطمئن إلى مستقبل ابنتها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرغبات الطبيعية وتلك الحقوق إلى قائمة طويلة من الشروط المبالغ فيها، التي يصعب تحقيقها، فيصبح الزواج مشروعًا مؤجلًا، وربما مستحيلًا عند كثير من الشباب.


هذه الاشتراطات المرتفعة لا تؤثر في الشباب وحدهم، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله… فقد تغيرت الظروف الاقتصادية، وارتفعت تكاليف المعيشة، وأصبح الحصول على مسكن مناسب أو دخل مرتفع تحديًا حقيقيًا لكثير من الشباب المجتهدين، ومع ذلك، لا تزال بعض الأسر تتمسك بمتطلبات باهظة، من مهور مرتفعة، وحفلات زفاف مكلفة، وهدايا ثمينة، وتأثيث فاخر، وكأن قيمة الزوج تُقاس بما ينفقه قبل الزواج، لا بما يملكه من أخلاق وقدرة على تحمل المسؤولية.


والنتيجة أن آلاف الشباب يؤجلون الزواج سنوات طويلة، وبعضهم يعزف عنه تمامًا، ليس لأنه لا يرغب في تكوين أسرة، بل لأنه يدرك أن إمكاناته لن ترضي تلك التوقعات…وفي المقابل، تنتظر بعض الفتيات سنوات أملًا في وصول “فارس الأحلام” الذي يجمع كل الصفات، ثم يكتشف الجميع أن العمر يمضي، وأن الفرص تقل، وأن الواقع يختلف كثيرًا عن الصورة التي رسمتها الأحلام، بينما يتأخر الزواج، وترتفع معدلات العنوسة والعزوبية.


ولا تقع المسؤولية على طرف واحد، فهذه الظاهرة هي نتاج عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية متعددة، ومن غير العدل تحميل الفتيات وحدهن أو الأسر وحدها مسؤولية ما يحدث، لكن من الواجب أيضًا أن نعترف بأن المغالاة في الطلبات أصبحت، في بعض الحالات، سببًا إضافيًا يزيد المشكلة تعقيدًا، ويؤخر فرص تكوين الأسر، وهو ما ينعكس على الاستقرار الاجتماعي.


ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الظاهرة لا يمكن تعميمها على جميع الفتيات أو جميع الأسر، فهناك كثير من الأسر التي تقدم حسن الخلق والدين والتوافق النفسي على المظاهر المادية، وتدرك أن بناء الأسرة الناجحة يقوم على التعاون والاحترام والمودة، لا على حجم المهر أو قيمة الهدايا.


إن الأسرة التي تبحث لابنتها عن رجل صاحب دين وأخلاق، مجتهد في عمله، وقادر على التطور، قد تسهم في بناء أسرة مستقرة وسعيدة، أما الأسرة التي تجعل المظاهر والقدرة المالية المعيار الأول، فقد تجد نفسها، بعد سنوات، تراجع حساباتها، بعدما ضاعت فرص جيدة بسبب شروط كان يمكن التنازل عن بعضها.


إن المجتمعات لا تُبنى بالأحلام وحدها، بل بالواقعية والتعاون. والزواج ليس صفقة تجارية، ولا مشروعًا استثماريًا، ولا مسابقة لاختيار الشخص الكامل، لأن الكمال لا يوجد في البشر، كما أنه ليس مناسبة للتفاخر الاجتماعي، بل هو ميثاق يقوم على المودة والرحمة وتحمل المسؤولية…والشاب الذي يبدأ حياته بإمكانات متواضعة قد يصبح، بعد سنوات، أكثر نجاحًا واستقرارًا إذا وجد من تؤمن به وتشاركه رحلة البناء.


ولم تعد هذه القضية مجرد انطباعات أو أحاديث مجالس، بل أصبحت محل اهتمام الباحثين وصناع القرار في كثير من الدول العربية، حيث تشير دراسات وتقارير رسمية إلى ارتفاع متوسط سن الزواج، وتزايد أعداد غير المتزوجين من الجنسين، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، والمغالاة في المهور ومتطلبات الزواج، إلى جانب عوامل اقتصادية واجتماعية أخرى، وهو ما يدعو إلى مراجعة كثير من العادات والتقاليد التي أثقلت كاهل الشباب، وجعلت الزواج حلمًا مؤجلًا بدلًا من أن يكون بداية طبيعية لبناء الأسرة.


لقد آن الأوان لإعادة تعريف “فارس الأحلام”. فالفارس الحقيقي ليس الأغنى ولا الأكثر مالًا، بل الأكثر صدقًا وأمانةً واحترامًا، والأكثر استعدادًا لتحمل مسؤولية الأسرة، كما أن الفتاة التي تبني حياتها على التفاهم والمشاركة، لا على المقارنات والمظاهر، تسهم في صناعة مستقبل أكثر استقرارًا لها ولأسرتها.


إذا أردنا أن نواجه ظاهرة تأخر الزواج بجدية، فعلينا أن نراجع عاداتنا قبل أن نلوم ظروفنا، وأن نخفف من التكاليف، ونبتعد عن المبالغة في الشروط، وأن نُعلي قيمة الإنسان على قيمة المال. وربما آن الأوان لإعادة النظر في مفهوم “فارس الأحلام”، فليس كل من جاء على حصان أبيض فارسًا، بل الفارس المثالى هو من يتحلى بالأمانة، ويحسن المعاملة، ويجتهد في بناء مستقبل أسرته، ويمتلك الإرادة لتحمل مسؤوليات الحياة…كما أن الزوجة الصالحة ليست من تبحث عن الصورة المثالية، بل من تؤمن بأن النجاح الزوجي يُبنى بالتفاهم والصبر والتعاون.


وعندما تصبح الواقعية شريكًا للأحلام، وتغلب القيم على المظاهر، سيكون الزواج أكثر يسرًا، وستُبنى أسر أكثر استقرارًا وسعادة، وهو الهدف الذي يسعى إليه الجميع. فليس كل فارس حقيقي يحتاج إلى حصان أبيض ليصنع حياة كريمة.

بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى