حين تتحدث المواقف.. قيادات “الجعليين” بمصر يسطرون درسًا في الوفاء والتلاحم السوداني

قيادات الجعليين

ليست كل المناسبات تُقاس بحجم الحشود، بل بما تحمله في طياتها من قيم ورسائل؛ وتظل مجالس العزاء هي المرآة الأصدق التي تنعكس عليها معادن الرجال، وتتراجع عندها الألقاب لتفسح المجال للمواقف، حيث يصبح الحضور بحد ذاته أبلغ من آلاف الكلمات.
وفي مشهدٍ جسّد أسمى معاني التكاتف والتراحم التي تميز بها الوجدان السوداني، شكّل عزاء والد الزميل الصحفي عطاف مختار لوحةً إنسانية بالغة الدلالة؛ فقد حرصت قيادات ورموز قبيلة الجعليين بـ “أرض الكنانة” على تقدم صفوف المعزين، يتقدمهم المك عبدالله خلف الله والعمدة عبدالباسط عبدالله، في موقفٍ يترجم أصالة الإرث الاجتماعي السوداني، ويؤكد أن القيم الحقيقية لا تطمسها الغربة، ولا تضعفها تقلبات الأيام.
لم يكن هذا الحضور مجرد مجاملة عابرة أو تلبية لبروتوكول اجتماعي، بل كان موقفاً نابعاً من إيمانٍ عميق بأن الوقوف إلى جانب ابن الوطن في ساعة كربه هو واجب أخلاقي وديني؛ إن مثل هذه المشاهد تعيد الطمأنينة إلى النفوس بأن المجتمع السوداني ما زال بخير، وأن روابطه الإنسانية أقوى من كل الظروف.
وفي لفتةٍ تؤكد تلاحم الأجيال، برز حضور الشاب يوسف الجزولي مشاركاً في واجب العزاء، ليعكس صورة مشرفة لتمسك الشباب السوداني بقيم البر والتواصل؛ وهي شيمٌ أصيلة لا تُشترى ولا تُفرض، بل تنبع من حسن التربية وعمق الانتماء.
إن ما شهدناه في هذا العزاء يؤكد مجدداً أن الرجال يُعرفون بمواقفهم، وأن القيادات الحقيقية هي تلك التي تسجل حضورها حيثما دعاها الواجب، لا حيثما سلطت عليها الأضواء؛ فالوفاء لا يحتاج إلى خطبٍ رنانة، بل إلى خطوات صادقة تواسي المكلوم، وكلمات طيبة تخفف من وطأة الفقد.
كل التحية والتقدير لكل من شارك في مواساة أسرة الزميل عطاف مختار، وفي مقدمتهم قيادات الجعليين في مصر، الذين قدموا نموذجاً يحتذى به في التراحم والتآزر، مؤكدين أن السودان سيظل قوياً بقيم أهله وأصالة معدنهم.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وأن ينزل سكينته وصبره على قلوب أسرته وذويه، ويجزي كل من واسى وخفف من مصابهم خير الجزاء. “إنا لله وإنا إليه راجعون”.