الرأي والمقالات

منظور جديد عامر حسون الوقوف في النقطة صفر..

منظور جديد عامر حسون الوقوف في النقطة صفر

من أغرب ما نراه هذه الأيام أن بعض من يتحدثون باسم الإعلام أصبحوا يمضون وقتًا أطول في الشكوى من الواقع بدلًا من صناعة واقع جديد. تسمع حديثًا متكررًا عن تراجع المهنة، وعن غزو الدخلاء، وعن ضياع هيبة الإعلام، وكأن المهنة كانت يومًا وقفًا مسجلًا بأسماء أشخاص أو جماعات أو أجيال بعينها.

منظور جديد عامر حسون الوقوف في النقطة صفر

الحقيقة التي يجب أن تقال بلا مواربة أن الإعلام تغير، والعالم تغير، والجمهور تغير، بينما ما زال البعض يقف في ذات المحطة القديمة ينتظر عودة قطار غادر منذ سنوات. ثم إذا طال الانتظار بدأ في البكاء على اللبن المسكوب، ولعن التكنولوجيا، ومهاجمة الشباب، والتشكيك في كل وجه جديد يطل على الساحة.

ما هكذا تدار المهن، وما هكذا تُصان الرسالات.

الإعلام ليس ناديًا مغلقًا ولا جمعية خاصة ولا إرثًا عائليًا يتناقله البعض كما تتناقل الأسر الممتلكات. الإعلام فضاء مفتوح، ومن يملك الموهبة والمعرفة والقدرة على الوصول إلى الناس فله الحق الكامل في أن يكون جزءًا من المشهد، شاء من شاء وأبى من أبى.

أما الذين يتحدثون عن احتكار المهنة وكأنهم أوصياء عليها، فعليهم أن يدركوا أن عصر الحراسة على الأبواب انتهى إلى غير رجعة..والتاريخ لن يتوقف عند أحد. لم يعد أحد ينتظر إذنًا من أحد ليكتب أو يصور أو يقدم أو يؤثر. التكنولوجيا هدمت الأسوار العالية التي بناها البعض حول نفسه لسنوات طويلة، وفتحت النوافذ على عالم لا يعترف إلا بالكفاءة والقدرة على التطور.انه عصر الإنترنت.. وديمقراطية المعرفة. وصحافة الجماهير العادية

المشكلة ليست في الشباب الذين اقتحموا الساحة، بل في بعض القدامى الذين اكتفوا بتاريخهم وظنوا أن الماضي وحده يكفي للبقاء. والماضي مهما كان جميلًا لا يمنح صاحبه حصانة دائمة. فالجمهور لا يسأل ماذا كنت بالأمس، بل ماذا تقدم اليوم.

وللأسف بدل أن ينشغل البعض بتطوير أدواته ومواكبة العصر، اختار أسهل الطرق؛ مهاجمة الآخرين والتقليل من نجاحاتهم والتشكيك في قدراتهم. وكأن المشكلة في وجود منافسين جدد، لا في غياب التجديد والإبداع.

الحقيقة القاسية أن المهنة لا يهددها القادمون الجدد، بل يهددها الجمود. ولا يضعفها انتشار المنصات الحديثة، بل يضعفها الإصرار على التفكير بعقلية الأمس في زمن يركض بسرعة الصوت

إن الذين يخافون من المنافسة هم وحدهم الذين يطالبون بإغلاق الأبواب. أما الواثقون من أنفسهم فلا يخشون شيئًا. بل يرحبون بكل تجربة جديدة، لأنهم يعلمون أن الجودة الحقيقية لا تهزمها المنافسة وإنما تكشفها.

ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل للجميع واضحة وبسيطة: كفانا بكاءً على اللبن المسكوب. وكفانا حديثًا عن أمجاد مضت ولن تعود بالطريقة نفسها. العالم يتقدم، والمنصات تتطور، والجمهور يختار، والفرص متاحة لكل مجتهد.

بدلًا من لعن الظلام أوقدوا شمعة. بدلًا من محاربة الشباب علموهم. بدلًا من إقصاء الآخرين نافسوهم. وبدلًا من الجلوس على أطلال الماضي اصنعوا لأنفسكم مكانًا في المستقبل.

فالفضاء يتسع للجميع، والمهنة أكبر من الأفراد، والإعلام الحقيقي لا يخشى التغيير، بل يصنعه…الإعلام يحتاج لتواصل الأجيال لا لاقصاء وتقطيع التجارب والحروب العبثية ..حروب المصالح والبحث عن مكاسب شخصية ضيقة.

بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى