عباس الماحى نقطة سطر جديدمحن الزمان

محن الزمان

محن الزمان ليست دائمًا فقرًا أو مرضًا أو ضيقًا في العيش، بل قد تكون فيما نراه كل يوم من غرائب الأحوال وعجائب التصرفات التي تجعل الإنسان يقف حائرًا بين الدهشة والاستغراب… إنها تلك المشاهد التي تمر أمامنا فنحسبها طرفة من الطرائف، ثم نكتشف أنها واقع نعيشه ونخالط أهله ونشهد أحداثه.
ومن تأمل أحوال الناس في هذا العصر رأى من المفارقات ما يجعله يتساءل: هل تغيرت الحقائق أم اختلطت الموازين حتى أصبحنا نرى الأشياء بغير أسمائها؟
لقد عشنا زمنًا أصبحت فيه المفاجآت اليومية أمرًا عاديًا، حتى صرنا نتعجب وعقولنا تقف حائرة أمام بعض التصرفات التي نراها ونسمع عنها.
ولعل أكبر محن الزمان أن الإنسان لم يعد يدري: أيضحك مما يرى أم يبكي مما يسمع؟
في هذا الزمان العجيب، قد تجد شخصًا ينصح الناس بالصدق، وهو يحفظ الكذب أكثر مما يحفظ اسمه، ويتحدث عن الأمانة وكأنه مخترعها، فإذا ائتمنته على قلمك عاد إليك يبحث عن القلم معك!
ومن محن الزمان أن بعض الناس أصبحوا خبراء في كل شيء؛ فإذا تحدثت عن الطب وجدته استشاريًا عالميًا، وإذا انتقلت إلى الاقتصاد صار محافظًا للبنك المركزي، وإذا ذكرت الزراعة تحول إلى فلاح مخضرم لم تلد الأرض مثله. فهو ماهر ومبدع، بل ومحترف في كل المهن. أما إذا سألته عن عمله الحقيقي، اكتشفت أنه لم يتفق بعد مع نفسه على تخصص واحد!
ومن محن الزمان أيضًا أن في كل مجلس شخصًا يتولى زمام الحديث مهما كان الموضوع، وكأنه المرجع الأول والأخير في كل علم وفن. فإن كان الحديث في الطب تحدث بلسان الأطباء، وإن انتقل إلى السياسة صار خبيرًا بشؤون الدول، وإن دار النقاش حول الاقتصاد أو التربية أو الرياضة وجد لنفسه رأيًا لا يقبل المراجعة. لا يكتفي بإبداء رأيه، بل يستأثر بالكلام ويضيق ذرعًا بمشاركة الآخرين، فلا يترك لأحد فرصة لإكمال فكرة أو عرض وجهة نظر.
يظن أن كثرة الكلام دليل معرفة، وأن رفع الصوت برهان حجة، بينما الحكمة كثيرًا ما تكون في حسن الاستماع قبل حسن الحديث…فإذا انتهى المجلس خرج مقتنعًا بأنه علّم الحاضرين جميعًا، بينما كان أكثر ما يحتاج إليه هو أن يمنح نفسه فرصة ليستمع كما يطلب من الآخرين أن يستمعوا إليه.
ومن غرائب الأيام أن بعض الناس يطلبون النصيحة لا ليعملوا بها، بل ليثبتوا لك بعد ساعة أنهم كانوا يعرفون كل شيء قبل أن يسألوك. فتجلس تشرح وتفصل وتبين، ثم يقول لك في النهاية: «هذا ما كنت أفكر فيه بالضبط!». فتتساءل في نفسك: ولماذا استدعيتني إذن؟ هل كنت بحاجة إلى شاهد على أفكارك؟
ومن محن الزمان أيضًا أن البعض يقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يعلم، وبما يلبس لا بما يحمل من أخلاق. فإذا رأى سيارة فاخرة وقف احترامًا، وإذا رأى عقلًا راجحًا مر عليه مرور الكرام، وكأن الحكمة أصبحت سلعة كاسدة في سوق المظاهر.
والأعجب من ذلك أولئك الذين يرفعون شعار الحرية في كل مجلس، فإذا خالفهم أحد الرأي طالبوا بمحاكمته فورًا، وكأن الحرية عندهم حق شخصي لا يجوز للآخرين الاقتراب منه!
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي ظهرت فئة جديدة من البشر؛ يلتقط أحدهم عشرات الصور لفنجان القهوة حتى تبرد، ثم يشربها حزينًا لأنها فقدت مذاقها، بينما كان هدفها الأساسي أن تُشرب لا أن تُجرى لها جلسة تصوير احترافية!
أما أكثر ما يثير الدهشة فهو ذلك الشخص الذي يغضب إذا نقل الناس أخباره، ثم يقضي يومه كله في نشر تفاصيل حياته الدقيقة للناس كافة، حتى إنك تعرف ماذا تناول على الإفطار، ومتى خرج، ومتى عاد، ثم يفاجئك بقوله: «أين الخصوصية؟».
ومن محن الزمان أن بعض التجار، وخاصة الوسطاء منهم، لا يبيعون السلع بقدر ما يبيعون الأوهام. فهم يملكون ألسنة لو وُزعت على الخطباء لاعتزلوا المنابر، ولو مُنحت للشعراء لتركوا القوافي.
يحدثك أحدهم عن سلعة عادية وكأنها فتحٌ مبين، وعن بيت متصدع وكأنه قصر من قصور الخيال، وعن سيارة استهلكت عمرها في الورش وكأنها خرجت تَوًّا من مصنعها. يصف لك الشيء حتى تشك في عينيك لا في كلامه، فإذا رأيته ظننت أنك أمام سلعة أخرى غير التي سمعت أوصافها.
أما إذا اجتمع التاجر والوسيط على مدح شيء، فاعلم أن الحقيقة قد دخلت في إجازة طويلة! فهما قادران على تحويل النقص إلى ميزة، والعيب إلى اختراع، والمشكلة إلى فرصة نادرة لا تتكرر، بل بلغ بعضهم من البلاغة مبلغًا لو شكر لك الموت لتمنيته، ولو مدح لك الفقر لسعيت إليه، ولو أثنى على التعب لظننته راحة، ولو وصف لك الصحراء القاحلة لأوهمك أنها قطعة من الجنة تنتظر توقيعك فقط!
ثم ما إن تتم الصفقة حتى تتبخر تلك الخطب الرنانة، وتعود الكلمات إلى حجمها الطبيعي، وتكتشف أن نصف ما اشتريت كان بضاعة، والنصف الآخر كان كلامًا.
حقًا إنها محن الزمان؛ زمن اختلطت فيه الأولويات، وارتفعت فيه الأصوات على حساب الحكمة، وكثر فيه المتحدثون وقلّ المستمعون، وأصبح بعض الناس يطلبون الحقيقة بشرط أن توافق أهواءهم، ويبحثون عن الصدق ما دام يؤيد آراءهم، فإذا خالفتهم اتهموك بالتقصير أو الكذب.
ومع ذلك، فإن هذه المشاهد على كثرتها لا تدعونا إلى اليأس بقدر ما تدعونا إلى التأمل؛ فالدنيا كانت دائمًا مسرحًا للعجائب، غير أن العجيب في زماننا أن بعض الناس لم يعودوا يكتفون بصناعة المفارقات، بل صاروا يدافعون عنها ويطالبون الآخرين بالتصفيق لها.
ولعل أعظم محن الزمان أن ترى الخطأ واضحًا كالشمس، ثم تجد من يجادل في وجود النهار، وأن تسمع الحكمة فلا يعمل بها أحد، ثم تسمع الضوضاء فيتبعها الجميع، وأن ترى صاحب الخلق متواريًا في الظل، بينما يتصدر المشهد من لا يملك إلا صوته المرتفع أو مظهره البراق.
فإذا كانت الأيام قد أرهقتنا بعجائبها، فإنها لم تسلبنا القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، ولا بين الجوهر والمظهر.
وسيظل الزمان، مهما كثرت محنه، يكشف للناس معادنهم؛ فتنطفئ الضوضاء ويبقى الأثر، وتتلاشى الأقنعة وتبقى الوجوه، وتذهب الخطب الرنانة ويبقى العمل الصادق، ويثبت في النهاية أن الحقيقة قد تتأخر أحيانًا، لكنها لا تضيع أبدًا.
ولعل من أصدق ما قيل في هذا الباب: «تعيش كثيرًا، تشوف كثيرًا». فكلما امتد بالإنسان العمر، ازداد يقينًا بأن عجائب الدنيا ليست في الكتب والحكايات، بل في الناس وأحوالهم.
ففي كل يوم يرى ما لم يكن يتوقعه، ويسمع ما لو قيل له قبل سنوات لعدَّه من ضروب الخيال… يرى من يمدح ما كان يذمه، ويذم ما كان يمدحه، ويرى وجوهًا تتبدل مع المصالح كما تتبدل ألوان السماء مع الفصول.
وحين يظن أنه قد رأى آخر العجائب، يفاجئه الزمان بما هو أعجب منها، حتى يصبح أكثر ميلًا إلى الصمت من الجدل، وإلى التأمل من الدهشة؛ لأنه أدرك أن بعض غرائب الحياة لا تُفسَّر، وإنما تُشاهَد وتُسجَّل في دفتر محن الزمان.