الرأي والمقالات

يحدث في السودان فقط …حيث يُبعث الموتى مع كل خريف

مأساة مقابر السودان كل خريف: حين تنتهك السيول حرمة الموتى وتكشف الأجساد

كلمات واجبة مي علي ادم تكتب

يحدث في السودان فقط …حيث يُبعث الموتى مع كل خريف

 

في كل دول العالم، تهطل الأمطار. وفي كثير منها تجرف السيول الطرق والمنازل، وتترك وراءها خسائر موجعة. لكن في السودان، يبدو أن الكارثة تتجاوز ذلك كله؛ فهنا قد تصل مياه الخريف إلى القبور، فتقتلعها وتكشف أجساد الموتى، وتنتهك حرمتهم التي يفترض أن تبقى مصونة حتى قيام الساعة.

قبل يومين، وفي مقبرة ديم سعد الرابعة بالقضارف، لم تكن الأمطار رحمة. كانت مأساة أخرى تُضاف إلى سجل الإهمال. فقد جرفت المياه التربة، وقلبت القبور، وأخرجت الجثامين والأكفان إلى العلن. وقف الناس أمام المشهد عاجزين؛ لا صراخ يكفي لوصفه، ولا دموع تستطيع أن تستوعب حجم الفاجعة. كان الصمت وحده أكثر تعبيراً من كل الكلمات.

وسألت نفسي: لماذا يتكرر هذا المشهد في السودان؟ لماذا يأتي كل خريف حاملاً معه ذات المأساة؟ ولماذا نعجز، حتى بعد الموت، عن توفير أبسط درجات الكرامة والستر لمن سبقونا؟

الإجابة مؤلمة، لكنها واضحة: لأننا أهملنا الإنسان حياً، ولم نحفظ له كرامته ميتاً.

أنا لا أكتب من خلف مكتب، ولا أتحدث عن شيء لم أره. قبل أشهر، وقفت في مقابر أحمد شرفي، ورأيت بأم عيني كيف تحولت حرمة الموتى إلى مشهد مؤلم من الإهمال. أغنام ترعى بين القبور، ومخلفات ونفايات تحاصر الشواهد، وممارسات تنتهك قدسية المكان، وكأن المقابر أصبحت أرضاً مهملة لا حرمة لها.

يومها لم تخرج الجثامين من القبور، لكن شيئاً آخر خرج إلى العلن: مدى انكسار كرامتنا.

وقبل سنوات، وفي المقابر نفسها، رأيت المشهد الأكثر قسوة. هطلت أمطار غزيرة، فانهارت بعض القبور واقتلعتها المياه، وظهرت الجثامين والأكفان والعظام التي جرفتها السيول. كان المشهد صادماً، لكنه لم يكن جديداً على بلد تتكرر فيه المأساة كل عام، وفي أكثر من مكان.

ما حدث في أحمد شرفي بالأمس أو قبل سنوات، يتكرر اليوم في ديم سعد الرابعة، وغداً قد يتكرر في مقبرة أخرى. لأننا لم نتعلم. ولأننا لم نضع حرمة الموتى في المكان الذي تستحقه.

اسألوا أنفسكم: هل المشكلة في المطر وحده؟ بالطبع لا.

الأمطار والسيول ظاهرة طبيعية، لكن حماية المقابر من آثارها مسؤولية بشرية ومؤسسية. المقبرة ليست قطعة أرض متروكة في منطقة منخفضة، وليست مساحة تُستخدم عند الحاجة ثم تُنسى. المقابر مكان له حرمته، ويجب أن تُخطط له الدولة كما تخطط للطرق والمباني ومرافق الحياة.

نحتاج إلى أسوار تحمي المقابر، ومصارف لتصريف مياه الأمطار، واختيار مواقع آمنة للدفن، وصيانة دورية، وجهة مسؤولة تتابع أوضاعها وتحفظ حرمتها.

أما أن نترك القبور عرضة للمياه والوحل والحيوانات والنفايات، ثم نضع كل شيء تحت عنوان “القضاء والقدر”، فهذا ليس إيماناً بالقدر، بل تهرب من المسؤولية.

ديننا يحثنا على إكرام الميت، وصيانة حرمته، وحفظ كرامته. فكيف نقبل أن تصبح قبور موتانا مكشوفة أمام السيول، أو أن تُقتلع جثامينهم من أماكن دفنها؟

والأكثر إيلاماً أننا بدأنا نتعامل مع هذه المشاهد وكأنها مادة للسخرية، نتداول المقاطع ونكتب: “السودان فقط”. لكنها ليست نكتة.

الجثمان الذي نراه في مقطع مصور قد يكون أباً لأحدهم، أو أماً، أو أخاً، أو طفلاً. وتلك العظام التي تجرفها المياه ليست مجرد مشهد عابر؛ إنها بقايا إنسان كان له بيت وأهل وذكريات وكرامة. والمطر القادم لا يفرق بين قبر وآخر.

إذا استمر الإهمال، فستتكرر المأساة، وستبقى كل مقبرة غير محمية مشروعاً لكارثة جديدة. نحن لا نحتاج إلى معجزات. نحتاج إلى ضمير ومسؤولية وتخطيط.

نحتاج إلى حماية المقابر بالأسوار، وتجهيزها بمصارف المياه، واختيار مواقعها وفق أسس هندسية، وإبعادها عن مجاري السيول والمناطق المنخفضة، ووضع جهة واضحة تتحمل مسؤولية صيانتها وحمايتها.

نحتاج إلى أن نتعامل مع حرمة الموتى باعتبارها قضية إنسانية ودينية وأخلاقية، لا موسماً عابراً من مواسم الأخبار.

يا أهل السودان، كفى. كفى أن يصبح انتهاك حرمة الموتى مشهداً يتكرر كل خريف. كفى أن نرى الجثامين تخرج من قبورها ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئاً لم يحدث. كفى أن نختصر المأساة في عبارة: “السودان فقط”.

نحن نستحق أن نحفظ كرامة موتانا، كما نستحق أن نحفظ كرامة أحيائنا. فإكرام الميت لا يكون بدفنه فقط، بل بصيانة قبره وحمايته واحترام حرمته.

فلنستر موتانا بكرامة، قبل أن يأتي خريف آخر ليكشف للعالم حجم ما أهملناه تحت التراب وفوقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى