13 ألف حالة إيدز و55 ألف التهاب كبد.. عندما يدخل المرض معركة الاقتصاد السوداني!
كيف يهدد الإيدز والتهاب الكبد رأس المال البشري ومستقبل الاقتصاد السوداني؟
أثارت الأرقام المعلنة بشأن الوضع الصحي في السودان تساؤلات تتجاوز القطاع الصحي إلى الاقتصاد وسوق العمل ومستقبل رأس المال البشري، بعد الكشف عن تسجيل 13,401 حالة مكتشفة لفيروس نقص المناعة البشرية «الإيدز»، إلى جانب نحو 55 ألف حالة من التهاب الكبد «ب» و«ج».
لكن السؤال الذي يجب أن يقلق الاقتصاديين ليس فقط: كم عدد الحالات؟ بل: كم يخسر الاقتصاد السوداني عندما يبدأ المرض في استنزاف الإنسان الذي ينتج الثروة؟
ويرى البروفيسور محجوب هجّانة، الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي، أن قراءة هذه الأرقام كقضية صحية فقط تعني اختزال المشكلة في نصفها، لأن الإنسان يمثل جوهر رأس المال البشري وأحد أهم مدخلات دالة الإنتاج.
ويقول بروف هجّانة إن الإيدز لا يمثل تكلفة علاجية فقط، بل يمكن أن ينعكس على عرض العمل، والإنتاجية الحدية، والدخل، والاستهلاك، والادخار، والاستثمار، والناتج المحتمل. فالعامل الذي يفقد قدرته على العمل لا يخسر دخله وحده؛ بل يخسر الاقتصاد إنتاجًا كان يمكن أن يضاف إلى الناتج المحلي.
ويضيف أن السودان يواجه أصلًا صدمات متزامنة؛ من الحرب والنزوح إلى التضخم، وانكماش الاستثمار، وضعف الإيرادات العامة وتضرر البنية التحتية. فهل يستطيع اقتصاد بهذه الهشاشة تحمل صدمة إضافية في رأس ماله البشري؟
ويشير هجّانة إلى أن التأثير قد يتحول إلى حلقة تغذية راجعة سلبية: مرض، ثم انخفاض الإنتاجية، ثم انخفاض الدخل، وارتفاع الفقر، وضعف القدرة على الوقاية والعلاج، ثم مزيد من المرض.
ومن منظور الاقتصاد القياسي، يرى أن المطلوب ليس مجرد إحصاء الحالات، وإنما قياس الأثر السببي للمرض على سوق العمل والإنتاجية والدخل والفقر والناتج المحلي، مع إدخال متغيرات الحرب والنزوح والتعليم والإنفاق الصحي والهجرة في نماذج التحليل.
ويحذر هجانة من أن ضعف الفحص والترصد الصحي قد يؤدي إلى خطأ قياس؛ فالحالات المكتشفة والمسجلة لا تعني بالضرورة الحجم الحقيقي للانتشار. ويتساءل: هل انخفاض الحالات المكتشفة يعني انخفاض المرض، أم انخفاض قدرة النظام الصحي على اكتشافه؟
ويرى أن تكلفة الإيدز لا تتوقف عند العلاج، بل تمتد إلى تكلفة الفرصة البديلة؛ من ساعات العمل المفقودة، وانخفاض الإنتاجية، واستنزاف مدخرات الأسر، وتعطل التعليم، وهجرة الكفاءات.
ويؤكد أن الإنفاق على الوقاية والفحص المبكر والعلاج يجب ألا يُنظر إليه باعتباره عبئًا على الموازنة، بل استثمارًا في رأس المال البشري يحمي الإنتاجية ويخفض التكلفة المستقبلية.
ويختتم البروفيسور محجوب هجّانة بالقول: «قد يستطيع السودان إعادة بناء مصنع، وطريق، وجسر، ومحطة كهرباء، لكنه لا يستطيع استعادة سنوات الإنسان الضائعة وإنتاجيته المفقودة. لذلك فإن حسم الحرب ليس مجرد قرار سياسي أو أمني؛ إنه أول وأهم إصلاح اقتصادي. فالثروة الحقيقية للسودان ليست فقط ما تحت الأرض، بل الإنسان القادر على تحويل هذه الموارد إلى إنتاج ونمو ورفاه». فالسودان يستطيع إعادة بناء الحجر بعد الحرب، لكنه إذا فقد الإنسان الذي سيعيد بناء الحجر، فلن تكون المشكلة في نقص الموارد، بل في انهيار رأس المال الذي يصنع الثروة.