الأخبار المحلية

وزير الداخلية والسهام الخاطئة… إلى الحكومة الاتحادية: أدركوا كسلا

وزير الداخلية والسهام الخاطئة… إلى الحكومة الاتحادية: أدركوا كسلا

وزير الداخلية والسهام الخاطئة

كتب .. سيف الدين آدم هارون

لم تعد أزمة كسلا خلافاً محلياً يمكن احتواؤه ببيانات التهدئة أو تجاوزه بالمسكنات المؤقتة. ما يحدث اليوم يشبه حرباً باردة تُدار بأدوات ناعمة، وسط تصاعد إعلامي وخطاب متوتر يغذيه الاحتقان والكراهية، ويهدد استقرار شرق السودان بأكمله.

لقد تحولت بعض المنصات الرقمية إلى ساحات مواجهة، وأصبحت القيادات القبلية المؤثرة تتبادل الاتهامات عبر المؤتمرات الصحفية ومنابر الإعلام بدلاً من الحوار المباشر. وكل خطاب تصعيدي يصدر في هذه المرحلة هو بمثابة رصاصة جديدة تُطلق على صدر التعايش السلمي.

بالأمس كنت شاهداً على زيارة وزير الداخلية إلى أروما لافتتاح مركز الشرطة الجديد، واليوم حضرت مؤتمراً صحفياً عُقد على خلفية تلك الزيارة. وبين الحدثين أقول شهادة لله والتاريخ إن الوزير بابكر سمره قد نأى بنفسه عن كل ما أُثير لاحقاً من جدل.

ففي حديثه بأروما ركز الوزير على التحديات الكبرى التي تواجه البلاد، وفي مقدمتها الحرب الدائرة، ودعا المواطنين إلى الالتفاف حول القوات المسلحة والقوات المساندة لها، ولم يتطرق إلى ما أُثير لاحقاً بشأن ترسيم الحدود أو غيرها من القضايا المثيرة للجدل، ما يؤكد أن تلك الملفات لم تكن جزءاً من خطابه أو اهتماماته خلال الزيارة.

لقد ذهب وزير الداخلية لافتتاح منشأة شرطية وخدمية، ولم يكن ضمن برنامجه مخاطبة لقاء جماهيري حول القضايا القبلية أو الخلافات المحلية، ولذلك فإن تحميله مسؤولية ما يجري اليوم يبدو توجيهاً للسهام نحو هدف خاطئ حسبما اعتقد.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس للتأمل، بل للبحث الجاد عن إجابة: من يحرك خيوط هذه الأزمة؟ ومن يغذي خطاب الكراهية؟ ومن المستفيد من إعادة إنتاج التوترات الاجتماعية في هذا التوقيت الحساس؟

كسلا ليست مدينة عابرة في الجغرافيا السودانية، بل مدينة تحمل ذاكرة مثقلة بالتجارب والدروس. وأهلها يدركون أن منشوراً محرضاً أو تصريحاً غير مسؤول قد يكون كافياً لإشعال فتنة تقوض سنوات طويلة من التعايش والتسامح.

لهذا فإن الحكمة هنا ليست فضيلة أخلاقية فحسب، بل ضرورة وطنية. وضبط النفس ليس ضعفاً، وإنما مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الجميع.

كسلا، الوريفة الشاربة من الطيبة دوماً، أكبر من أن تُختزل في منشور أو مقطع فيديو، وأكبر من أن تُدفع نحو صراع لا يخدم سوى أعداء الاستقرار والتنمية.

ومن هنا فإن الدولة مطالبة بالتدخل العاجل قبل فوات الأوان. كما أن رئيس مجلس السيادة مطالب بالتدخل المباشر والحاسم، فحفظ الأرواح وصون السلم المجتمعي يظلان أولوية تتقدم على كل الاعتبارات الأخرى.

إن التعايش السلمي في كسلا خط أحمر لا يحتمل التأجيل أو المساومة. والمطلوب اليوم حضور فاعل للدولة عبر زيارات ميدانية، وقرارات واضحة، ورسائل حاسمة تؤكد أن مؤسسات الدولة موجودة وقادرة على حماية الجميع دون تمييز.

كما أن المرحلة تتطلب إطلاق عملية مصالحة مجتمعية حقيقية، لا تقوم على المجاملات أو المعالجات الشكلية، وإنما على مواجهة أسباب التوتر بشجاعة، ووضع الحقائق أمام الناس، وإغلاق أبواب الفتنة بالحوار والمحاسبة وسيادة القانون.

وفي الوقت ذاته، لا بد من التعامل بحزم مع خطاب الكراهية والتحريض، سواء صدر من منصة إعلامية أو منبر اجتماعي أو حساب على وسائل التواصل الاجتماعي. فلا حصانة لمحرض، ولا حماية لمن يسعى إلى إشعال النيران بين أبناء الوطن الواحد.

لقد أصبحت الشائعة اليوم أخطر من الرصاصة، وأصبح التحريض الرقمي جريمة مكتملة الأركان تستوجب الردع والمساءلة.

تبقى كسلا أمانة في أعناق القيادة السياسية قبل أن تكون أمانة في أعناق أهلها. والتاريخ لا يرحم المتفرجين، ولا يسجل الأعذار بقدر ما يسجل المواقف.

فهل تتحرك الدولة قبل أن تتسع دائرة الأزمة؟ أم ننتظر حتى يسبقنا الانفجار إلى حيث لا تنفع المعالجات المتأخرة؟

بصيرتي برس بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى