نسق الانامل د. الهادي خضر درمه يكتب الإرضاع التدميري… سرطان قادم

د. الهادي خضر درمه
تتسلل إلى مجتمعاتنا اليوم قوى خفية، لا تحمل رايات معلنة ولا جيوشًا ظاهرة، لكنها تخوض حربًا من نوع آخر، تستهدف الروح والجوهر. ويمكن وصف هذه الظاهرة بالإرضاع التدميري وهي عملية ممنهجة لتغذية الفساد والانحلال في شرايين الأمة حتى تضعف وتنهار من الداخل. وليست مجرد مصطلح عابر، بل توصيف لواقع تمارسه منظمات الاتجار بالبشر وعصابات المخدرات، التي تعمل كخلايا سرطانية تنخر في بنية المجتمعات، وتستنزف طاقاتها، وتشوه صورتها، وتنهب ثرواتها، وتفرغها من مكنونها الثقافي والعلمي.
تفكيك المجتمعات واستهداف الروابط الإنسانية
لا تكتفي منظمات الاتجار بالبشر بانتهاك كرامة الإنسان وحقوقه، بل تتجاوز ذلك إلى تفكيك النسيج الاجتماعي. فهي تستغل الفقر والضعف والحاجة، وتقتلع الأفراد من بيئاتهم الطبيعية لتدفع بهم إلى دوائر الاستغلال والعبودية الحديثة، مما ينعكس سلبًا على الأسرة والعلاقات الاجتماعية ويُحدث تصدعات عميقة في المجتمع.
وفي موازاة ذلك، تنشر عصابات المخدرات سمومها، مستهدفة فئة الشباب على وجه الخصوص، لتحولهم إلى مدمنين، وتدمر قدراتهم الإنتاجية، وتجعلهم عبئًا على أسرهم ومجتمعاتهم. ولا يقتصر هدف هذه الأنشطة على تحقيق الأرباح، بل يمتد إلى إضعاف المجتمعات وجعلها أكثر هشاشة وأقل قدرة على البناء والتطور.
تشويه الصورة ونهب الثروات
تسهم هذه المنظمات الإجرامية في تشويه صورة الدول إقليميًا ودوليًا، إذ تُصنَّف الدول التي ينتشر فيها الاتجار بالبشر والمخدرات على أنها بيئات غير آمنة، تعاني ضعف سيادة القانون، مما ينعكس سلبًا على الاستثمار والسياحة والعلاقات الدولية.
كما تؤدي العائدات الضخمة لهذه الأنشطة غير المشروعة إلى غسل الأموال وتوظيفها في أنشطة غير قانونية، بما يفسد الاقتصاد الوطني، ويخلق اقتصادًا موازيًا يخدم مصالح العصابات على حساب التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
الفاقد التربوي… بوابة التدمير الثقافي
تعتمد هذه المنظمات، في جانب من نشاطها، على استغلال ما يُعرف بـ”الفاقد التربوي”، وهم الأفراد الذين لم ينالوا تعليمًا كافيًا أو تعرضوا لتجارب تعليمية متعثرة، مما يجعلهم أكثر عرضة للاستقطاب والتجنيد.
ويُستغل هؤلاء في نشر المخدرات أو تنفيذ عمليات الاتجار بالبشر، بينما يؤدي ضعف الوعي والتحصيل العلمي إلى جعلهم فريسة سهلة للأفكار الهدامة، الأمر الذي يفرغ المجتمعات من رصيدها الثقافي والعلمي، ويغذي دوائر الجهل والتخلف.
الصلف الأخلاقي وصناعة واقع جديد
ما تمارسه هذه المنظمات ليس مجرد جرائم منفصلة، بل هو صلف أخلاقي يسعى إلى فرض واقع جديد، تنهار فيه القيم، وتُداس المبادئ، ويصبح الاستغلال والفساد أمرًا مألوفًا. وهي تعمل على تشويه المفاهيم، وتزييف الوعي، وإعادة تشكيل المجتمعات بما يخدم أجندات لا إنسانية، تستهدف القضاء على عناصر القوة والجمال في ثقافاتنا وتاريخنا.
خطوات عملية للمواجهة
إن مواجهة هذا الخطر تتطلب رؤية متكاملة وإجراءات عملية، وذلك بتعزيز الوعي المجتمعي عبر حملات توعوية تستهدف الشباب والأسر، وتوضح مخاطر الاتجار بالبشر والمخدرات والجرائم المستحدثة، مع توظيف المدارس والجامعات ووسائل الإعلام في هذا الجهد.
تطوير النظام التعليمي ومعالجة ظاهرة الفاقد التربوي، من خلال تحسين جودة التعليم، وترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية، وتنمية التفكير النقدي.
تشديد الرقابة وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية والقضائية، وسد الثغرات القانونية، وتطبيق العقوبات الرادعة على المتورطين في الجريمة المنظمة.
توسيع التعاون الإقليمي والدولي لمكافحة الجرائم العابرة للحدود، وتبادل المعلومات والخبرات، وتوحيد الجهود والاستراتيجيات.
دعم مؤسسات المجتمع المدني للقيام بدورها في التوعية، ورعاية الضحايا، وتأهيلهم وإعادة دمجهم في المجتمع.
تعزيز التنمية الاقتصادية، وتوفير فرص عمل كريمة، وتحسين مستوى المعيشة، بما يحد من الفقر والحاجة، وهما من أبرز العوامل التي تستغلها هذه الشبكات الإجرامية.
إن مواجهة “الإرضاع التدميري” تتطلب إرادة سياسية قوية، وتكاتفًا مجتمعيًا صادقًا، وإيمانًا راسخًا بأن مستقبل أوطاننا، وحماية مكنونها الثقافي والعلمي، يستحقان كل جهد وتضحية. فالصمت أو التهاون مع هذه الظواهر يفسح المجال لانتشار هذا السرطان، ويهدد حاضر الأمة ومستقبل أجيالها.
نسأل الله أن يحفظ البلاد والعباد من كل سوء، وأن يقي أوطاننا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وإذا أمدَّ الله في الآجال، فسنعود.

لمتابعة اأحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/