مدارات للناس... هاشم عمر... كلمي الجرف المخضر، وكلمي الطير الخداري…وقولي للمشتاق ورايا، الرحيل ما باختياري…

مدارات للناس
هاشم عمر

كلمي الجرف المخضر، وكلمي الطير الخداري…
وقولي للمشتاق ورايا، الرحيل ما باختياري…
في صباح حزين، غيّب الموت الفنان السوداني مجذوب أونسة إثر حادث سير على الطريق الرابط بين عطبرة وأم درمان، تاركاً وراءه إرثاً فنياً غنياً سيظل محفوراً في ذاكرة الشعب السوداني. خبر رحيله المفاجئ هزّ الوسط الفني والثقافي، حيث نعاه عدد كبير من الفنانين والمثقفين الذين اعتبروا فقده خسارة لا تعوض.
بدأ أونسة مشواره الفني في سبعينيات القرن الماضي، بعد أن ترك مهنة الصياغة ليتفرغ للفن، ليصبح واحداً من أبرز الأصوات السودانية التي جمعت بين الأصالة والحداثة. بصوته العذب وأسلوبه المميز، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد أعمدة الأغنية السودانية. ترك أكثر من سبعين أغنية مسجلة، كثير منها لا يزال يتداول حتى اليوم بين محبي الفن السوداني.
من أبرز إسهاماته إحياء الأغنية الوطنية، حيث قدّم أعمالاً خالدة مثل «عزيز أنت يا وطني». هذه الأغاني لم تكن مجرد ألحان وكلمات، بل رسائل حب وانتماء للوطن، عززت الروح الوطنية وربطت الفن بالهوية السودانية.
لم يقتصر عطاؤه على الأغنية الوطنية، بل كان له دور بارز في تطوير الأغنية العاطفية. أغانيه الرومانسية مثل «إزيك إنتي» و«آخر خبر» شكّلت جزءاً من وجدان الشباب السوداني، وأسهمت في انتشار الأغنية السودانية على نطاق واسع.
بفضل صوته الدافئ وأسلوبه الفريد، نجح أونسة في أن يكون جسراً لنشر الأغنية السودانية في المنطقة العربية، مما ساعد على تعريف الجمهور العربي بثراء الموسيقى السودانية. كما ألهم العديد من الفنانين الشباب الذين استلهموا من تجربته الفنية، معتبرين أعماله نموذجاً للفن الهادف والملتزم.
كان أونسة أكثر من مجرد فنان؛ فقد مثّل صوتاً معبّراً عن وجدان الشعب السوداني في لحظات الفرح والحزن. أعماله الوطنية ساهمت في تعزيز التضامن المجتمعي، خاصة في الأوقات الصعبة، وجعلت منه رمزاً للفنان الملتزم الذي يوظف الفن لخدمة المجتمع والقيم.
رحيل مجذوب أونسة يترك فراغاً كبيراً في الساحة الفنية، لكن إرثه سيظل حاضراً في وجدان الأجيال القادمة. نعاه كبار الفنانين السودانيين، مؤكدين أن أعماله ستبقى جزءاً من الذاكرة الثقافية والفنية للسودان. لقد رحل الجسد، لكن الصوت سيظل يصدح في قلوب محبيه، شاهداً على مسيرة فنية غنية بالمعاني والقيم.
التعازي موصولة لأسرته واتحاد الفنانين وزملائه الموسيقين ولجميع محبي الفن الأصيل. رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى.