كرار التهامي.. رجل الدولة الذي جعل خدمة الناس رسالته

عباس الماحى
نقطة سطر جديد
كرار التهامي.. رجل الدولة الذي جعل خدمة الناس رسالته
هناك رجالٌ تصنعهم المناصب، وهناك رجالٌ يمنحون المناصب معناها. رجالٌ إذا غادروا مواقعهم بقيت سيرتهم حاضرة، وإذا انتقلوا إلى موقع جديد سبقهم إليه احترام الناس ومحبتهم.
أولئك الذين لا يكتفون بأداء واجباتهم الوظيفية، بل يحولون المسؤولية إلى رسالة، والمنصب إلى وسيلة، وخدمة الإنسان إلى عقيدة يعيشون بها ولها.
فالتاريخ لا يتوقف طويلًا عند أسماء الذين جلسوا على المقاعد، وإنما ي
خلّد أولئك الذين تركوا خلفهم بصمات مضيئة في حياة الناس. وقد ينسى الناس تاريخ تعيين مسؤول أو تاريخ مغادرته، لكنهم لا ينسون بابًا ظل مفتوحًا أمام المحتاجين، ولا يدًا امتدت بالعون في وقت الشدة، ولا كلمة طيبة أعادت الأمل إلى قلب أنهكه الانتظار.
لهذا، حين يجتمع الناس على محبة رجل، بعيدًا عن بريق المناصب السياسية، فإن الأمر يستحق الوقوف عنده… فمحبة الناس لا تُمنح بقرار، ولا تُفرض بنفوذ، وإنما هي ثمرة سنوات من الصدق، والتواضع، والإخلاص، وحسن التعامل. إنها وسام لا تصنعه المؤسسات، بل تصنعه السيرة الطيبة.
ومن هذا المدخل، يبرز اسم الناظر والسفير والدكتور والإعلامي كرار التهامي، بوصفه واحدًا من أولئك الذين لم تحددهم المناصب التي تقلدوها، بل حددتهم القيم التي حملوها معهم أينما ذهبوا، فقد ارتبط حضوره في الوجدان السوداني بسيرة امتدت بين العمل العام والدبلوماسية والعمل التطوعي والإنساني، حتي اصبح مدرسة في خدمة الإنسان، قبل ان يكون حديثاً عن مسئول تقلد المناصب، فالوظيفة العامة في مفهومه، ليست امتيازا يمارس، وإنما رسالة تؤدى، وليست سلطة تستعرض، وإنما أمانة يسأل عنها صاحبها أمام الله ثم أمام الناس.
ولهذا ظل قريباً من الجميع، لا تححبه الٱلقاب، ولا تغيره المواقع، ولا تصنع بينه وبين الناس حواجز البرتوكول، فالعمل العام بالنسبة إليه لم يكن وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام، ولا مسؤولية تنقضي بمغادرة المكتب، وإنما رسالة متصلة، تبدأ بالإنسان ولا تنتهي إلا بخدمته.
ولعل أجمل ما في تجربة الدكتور كرار التهامي أنها لم تُبنَ على حدود الوظيفة، وإنما على اتساع دائرة المسؤولية. فقد وهب وقته وعلمه وخبرته لخدمة الناس، ولم يبخل بتواصله مع كل من قصده طالبًا للعون أو المشورة أو حتى الكلمة الطيبة. ورغم اختياره ناظرًا لأهله في منطقة المسيد بولاية الجزيرة، لم يجعل من هذا الشرف إطارًا ضيقًا لحركته، بل وسّع دائرة اهتمامه لتشمل أبناء السودان جميعًا، مؤمنًا بأن الوطن أكبر من الجغرافيا، وأن المسؤولية لا تعرف القبيلة ولا الجهة، ولا تعترف بانتماءات ضيقة، وإنما تعرف الإنسان.
فالقيادات تُعرف يوم تفتح أبوابها للناس، لا يوم تُغلقها خلف المكاتب.
والرجال العظام لا تعرف مكانتهم بما جلسوا عليه من مقاعد، وإنما بما تركوه خلفهم من أثر في قلوب الناس.
إن الحديث عن الناظر والسفير والدكتور والإعلامي كرار التهامي حديث ذو شجون، لأننا لا نتحدث عن رجل تنقل بين الوظائف، وإنما عن تجربة تستحق التأمل. تجربة تقول إن الإدارة الناجحة لا تقوم على اللوائح وحدها، وإنما على القدرة على الإنصات، وعلى إدراك أن الإنسان هو محور كل عمل عام.
فحين تتفق قطاعات واسعة من الناس، على اختلاف مشاربهم، في تقدير شخصية بعينها، فإن الأمر يستحق التأمل، وليس المقصود هنا الاحتفاء بشخص، وإنما الوقوف عند تحربة وطنية يمكن أن تقدم دروساً في الإدارة العامة، والعمل الوطنى، وكيفية تحويل الموقع الرسمى إلى منصة لخدمة المواطن.
لقد ادرك مبكراً أن المسؤول هو الذي يفتح بابه قبل مكتبه، ويستمع قبل أن يتحدث، ويقترب من الناس قبل أن ينتظر منهم الإقتراب إليه…ولهذا لم يكن غريباً أن يحظى بمحبة من تعاملوا معه، لأنهم وجدوا فيه مسؤولاً بوحه الإنسان، لا بوحه المنصب.
وقد جاءت محطته الأولى أمينًا عامًا لجهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج لتجسد هذا المفهوم عمليًا. ففي تلك المرحلة لم يكن الجهاز مجرد مؤسسة إدارية، بل سعى لأن يكون بيتًا للمغتربين، يستمع إلى همومهم، ويتفاعل مع قضاياهم، ويبحث عن حلول واقعية لما يواجهونه من تحديات. وكان حضوره بينهم يتجاوز المكاتب إلى اللقاءات المباشرة، لأن الرجل كان يؤمن بأن المغترب ليس مجرد رقم في الإحصاءات، ولا مجرد مصدر للتحويلات المالية، بل هو ابن للوطن، يحمل همه أينما أقام، ويستحق أن يجد وطنه حاضرًا إلى جانبه.
ثم انتقل إلى محطته الثانية سفيرًا بوزارة الخارجية، ليواصل خدمة السودان من نافذة الدبلوماسية. وهناك حمل معه خبرته الإدارية وإنسانيته المعهودة، فكان يمثل وطنه بعقل الدبلوماسي، وقلب الإنسان، جامعًا بين المهنية الرفيعة وحسن التواصل.
لكن قضايا المغتربين لم تغب عنه طويلًا، إذ عاد مرة أخرى أمينًا عامًا لجهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج، في محطة أكدت حجم الثقة التي حظي بها، وأكدت كذلك أن بعض الملفات تحتاج إلى رجال يعرفون تفاصيلها، ويملكون القدرة على التعامل معها بروح المسؤولية.
وخلال فترتيه في الجهاز ظل قريبًا من السودانيين في المهجر، يشاركهم همومهم، ويستمع إلى آرائهم، ويعمل على تقريب المسافات بينهم وبين مؤسسات دولتهم.
فالمنصب قد يمنح صاحبه سلطة القرار، لكنه لا يمنحه تلقائيًا ثقة الناس، فالثقة تُبنى يومًا بعد يوم، بكلمة صادقة، وموقف كريم، وتعامل لا يفرق بين الناس.
واليوم يعود الدكتور كرار التهامي إلى وزارة الخارجية سفيرًا، في محطته الرابعة، وهي عودة يقرأها كثير من السودانيين بوصفها استثمارًا لخبرة تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل العام والدبلوماسي. ويترقب من عرفوا الرجل أن يُسند إليه الموقع الذي يليق بتجربته، حتى يواصل أداء رسالته التي ظل يحملها في كل محطة مر بها.
ولعل أكثر ما يميز كرار التهامي أنه لم يجعل العمل الإنساني نشاطًا موسميًا، ولا مناسبة تفرضها الظروف، وإنما كان جزءًا من تكوينه الشخصي. فقد عُرف بالمبادرة إلى إصلاح ذات البين، ومساندة المحتاجين، والوقوف إلى جانب المرضى، ومواساة الأسر في أفراحها وأتراحها، وتقديم ما يستطيع من جهد ووقت وخبرة لكل من احتاج إليه.
ولم يكن ينتظر كاميرات توثق حضوره، ولا منصات تشيد بما يفعل، لأن العمل الإنساني عنده لم يكن وسيلة للظهور، بل كان تعبيرًا صادقًا عن قناعة راسخة بأن أفضل الناس أنفعهم للناس.
ولأن التواضع زينة الكبار، ظل قريبًا من الجميع، يصافح الصغير قبل الكبير، ويجلس مع البسطاء كما يجلس مع أصحاب القرار، فلا يشعر من يلقاه أن بينه وبين المسؤول مسافات من التكلف أو التعالي.
وهذه الخصلة تحديدًا هي التي صنعت له مكانة خاصة في نفوس الناس؛ فالمواطن لا يبحث دائمًا عن مسؤول يملك كل الحلول، بقدر ما يبحث عن مسؤول يسمعه، ويحترمه، ويشعره بأنه محل اهتمام.
وإذا كانت المناصب تتبدل، فإن الأخلاق تبقى… وإذا كانت القرارات الإدارية تُحفظ في الأرشيف، فإن المواقف الإنسانية تحفظها القلوب، وتتناقلها الأجيال بوصفها الوجه الأجمل للعمل العام.
ولعل أصدق شهادة في حق الدكتور السفير كرار التهامي ليست تلك التي تُكتب في المقالات أو تُلقى في الاحتفالات، وإنما تلك التي يسطرها الناس بمواقفهم. فها هو اليوم، ومنذ وجوده في مدينة الرياض بالشقيقة المملكة العربية السعودية، يتسابق أبناء الجالية أفرادًا ومؤسسات وكيانات وجمعيات وروابط، إلى تكريمه والاحتفاء به، تقديرًا لما عرفوه فيه من تواضع، وقرب من الناس، وعطاء لم ينقطع. ولم يقتصر الأمر على حفلات التكريم، بل أصبح كثيرون يتنافسون في تقديم الهدايا التذكارية له، تعبيرًا عن محبة صادقة وامتنان عميق، في مشهد لا تصنعه البروتوكولات، وإنما تصنعه السيرة الحسنة، والمكانة التي يحتلها في قلوب أبناء وطنه.
إنها محبة لا تُشترى بالسلطة، ولا تُنتزع بالنفوذ، وإنما تُبنى عبر سنوات من الإخلاص، وحسن الخلق والمعاملة، والوقوف إلى جانب الناس في أفراحهم وأتراحهم. وربما كان أجمل ما في هذا المشهد أن يأتي هذا الوفاء من أبناء الجالية السودانية خارج الوطن، قبل أن يكرمه أهله في دياره، وكأنهم يبعثون برسالة بليغة مفادها أن الرجال تُعرف آثارهم حيثما حلوا، وأن العطاء الصادق لا تحده الجغرافيا، والخدمة تبقى محفورة في ذاكرة الناس
فالوظائف يمنحها أصحاب القرار، أما المحبة فيمنحها الله، ثم يكتبها الناس في قلوبهم.
وهنا تكمن قيمة كرار التهامي، فالرجل لم يسع يوما إلى صناعة صورة لنفسه، وإنما انشغل بصناعة الأثر… ولذلك بقي حاضرا في وجدان الناس، لأن المناصب كانت بالنسبة إليه وسائل لخدمة الإنسان ولم تكن يوماً غاية في ذاتها.
واليوم، ومع عودته سفيرًا بوزارة الخارجية، يترقب كثير من السودانيين أن يُسند إليه الموقع الذي يتناسب مع خبرته ورصيده الوطني، وهم على ثقة بأن الرجل سيظل كما عرفوه: قريبًا من المواطن، منحازًا للوطن، مؤمنًا بأن المكانة لا يصنعها المنصب، وإنما يصنعها العطاء.
هنيئًا لك، أخي الناظر والدكتور والسفير والإعلامي كرار التهامي، هذا الرصيد الكبير من المحبة والثقة، وهنيئًا لك هذا الوفاء الذي سبق الأوسمة، وجاء من قلوب الناس قبل المنابر. فما نلته اليوم ليس تكريمًا لشخص، بقدر ما هو احتفاء بقيم جسدتها في مسيرتك، ورسالة تقول إن الإنسان حين يخلص في خدمة وطنه وأهله، فإن أعظم الجوائز ليست التي تُعلق على الصدور، وإنما تلك التي تسكن القلوب.
ويبقى اليقين أن الأوطان تُبنى بالمخلصين، وأن الرجال يغادرون مواقعهم يومًا، لكنهم لا يغادرون ذاكرة الشعوب إذا تركوا فيها أثرًا طيبًا. وتلك، في نهاية المطاف، هي السيرة التي يتمنى كل مسؤول أن يتركها خلفه… سيرة عنوانها الإنسان، ومضمونها الوطن.

لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/