Uncategorizedإجتماعيةالأخبار المحلية

في كرة القدم، معشوقة الجماهير، ليست كل الأهداف سواء؛ فهناك هدفٌ يعبر خط المرمى، يستحق التصفيق، وهناك هدفٌ يُشعل المدرّجات، ويجعل الجماهير تقف على أقدامها

عباس الماحي

عباس الماحى

نقطة سطر جديد

هدفٌ في سقف المرمى

*******************

في كرة القدم، معشوقة الجماهير، ليست كل الأهداف سواء؛ فهناك هدفٌ يعبر خط المرمى، يستحق التصفيق، وهناك هدفٌ يُشعل المدرّجات، ويجعل الجماهير تقف على أقدامها، وتتعالى صيحات المعلّقين ابتهاجًا وإعجابًا. لكن أجمل الأهداف وأشدّها وقعًا في النفوس هي تلك التي تستقر في سقف المرمى، وتعانق الزاوية التي يستحيل على الحارس بلوغها، وكأنها رُسمت بريشة فنان، ونُفّذت بقدم لاعب يعرف تمامًا كيف يُتقن تسديدته، وأين يضع بصمته.

في تلك اللحظة، لا يكتفي الجمهور بمشاهدة الهدف، بل يُشيد بصانعه؛ فتصفيقٌ حارّ، وصيحاتٌ مدوّية، وعبارات إعجاب تتناقلها الألسن. وربما ظلّ ذلك الهدف حاضرًا في الذاكرة طويلًا، ليس لجماله وحده، بل لأن صاحبه وجد من يُقدّر إبداعه ويمنحه ما يستحق من اهتمام.

ولكن، إذا غادرنا المستطيل الأخضر إلى ميادين الحياة، فهل نحسن نحن أيضًا تقدير أصحاب الإنجازات الجميلة؟ وهل نمنح المجتهدين والمبدعين من حولنا ما يستحقونه من تقدير وتشجيع؟

في ميادين العمل، نخوض جميعًا مباريات لا تتوقف، ونسعى إلى تحقيق أهداف رسمناها بعقولنا، وآمنّا بها بقلوبنا، وبذلنا في سبيلها من الجهد والوقت والمال ما قد لا يراه الآخرون. فهناك من يبتكر فكرة، وينجز عملًا استثنائيًا، ويشقّ طريقًا لم يسبقه إليه أحد. وهناك من يقفز فوق العقبات، ويتجاوز التحديات بعزيمته، ويصنع من الإمكانات المحدودة إنجازات تستحق الإشادة.

ومع ذلك، قد تمرّ بعض هذه الإبداعات مرور الكرام؛ فلا تصفيق، ولا إشادة، ولا كلمة ثناء. والأكثر إيلامًا أن يأتي هذا التجاهل أحيانًا من أقرب الناس إلينا؛ ممن ننتظر منهم أن يكونوا أول المهنّئين، وأصدق المشجّعين، وأكثر الناس فرحًا بنجاحنا.

قد يحقّق أحدنا إنجازًا، ويقدّم عملًا مبدعًا، أو ينجح في بلوغ هدف بدا بعيد المنال، ثم يلتفت حوله فلا يجد من يشاركه فرحته، وكأن الكرة دخلت المرمى دون أن يلاحظ أحد!

وليس المقصود أن يعيش الإنسان أسيرًا لمديح الآخرين، أو أن يجعل تصفيقهم شرطًا لمواصلة طريقه؛ فالمجتهد ينطلق في عمله مدفوعًا بإيمانه برسالته، والمبدع الصادق يجد في شغفه ما يدفعه إلى الاستمرار. لكن ذلك لا ينفي حقيقة إنسانية مهمة، وهي أن التقدير يمنح الجهد معنى إضافيًا، وأن كلمة تشجيع صادقة قد تكون وقودًا لإنجاز أكبر.

إننا حين نصفّق لمبدع، لا نُكرّم شخصه وحده، بل نُعلي من قيمة الإبداع ذاته. وحين نشجّع مجتهدًا، فإننا لا نكافئه على ما أنجزه فحسب، بل نبعث برسالة إلى كل من يراقب المشهد، مفادها أن الاجتهاد طريق يستحق أن يُسلك، وأن المبادرة لا تضيع، وأن التميّز يجد من يراه ويقدّره.

ولعل أجمل ما في تشجيع المبدعين أنه لا يتوقف عند حدود الشخص الذي نُشيد بإنجازه؛ فقد تكون كلمة إعجاب شرارةً تدفع آخرين إلى التفكير خارج المألوف، وقد يتحوّل تقدير إنجاز فردي إلى ثقافة مجتمعية تؤمن بأن النجاح ليس حكرًا على أحد، وأن أبواب التميّز مفتوحة لكل من يملك الإرادة، ويمنح هدفه ما يستحق من عمل.

إن المجتمعات التي تتقدّم تعرف كيف تُكرّم المجتهدين؛ فلا تكتفي بانتظار النتائج، بل تقدّر الأفكار والمبادرات والخطوات الشجاعة التي تصنع تلك النتائج. ففي بيئات العمل، كما في البيوت والمدارس والمؤسسات، ينبغي أن يكون الثناء سلوكًا حضاريًا يعكس الوعي بقيمة الإنسان وأثره.

ولننظر حولنا قليلًا: ألسنا نجد موهبةً تحتاج إلى من يكتشفها، وفكرةً واعدة يحملها مبدع يبذل جهدًا استثنائيًا، لكنه لا يسمع كلمة تقدير واحدة؟ ربما لا نملك جميعًا القدرة على تقديم الدعم المادي، ولا نملك دائمًا مفاتيح أبواب الفرص، لكننا نملك شيئًا لا يقل أهمية: كلمة إشادة صادقة، وتصفيقة تأتي في وقتها.

فلماذا نبخل بها؟

ليس كل تصفيق نفاقًا، وليس كل ثناء مبالغة؛ فالإنسان الواثق من قدراته يستطيع أن يفرح لنجاح غيره، وأن يرى في إبداع الآخرين مصدر إلهام، لا سببًا للمقارنة أو الغيرة. أما ثقافة التقليل من الإنجازات، وتضخيم الأخطاء، والتعامل مع النجاح وكأنه أمر عادي لا يستحق الذكر، فإنها تقتل الحماسة، وتطفئ في النفوس رغبة المبادرة.

فلنتعلّم من مدرّجات كرة القدم أن اللحظات الجميلة تستحق الاحتفاء، ولنتذكّر أن وراء كل هدف متقن لاعبًا تدرّب، وأخطأ، وحاول، وصبر حتى أتقن التسديد. وكذلك، وراء كل إنجاز في الحياة قصة من الكفاح والمحاولات والتضحيات؛ قد لا نراها، لكننا نستطيع أن نقدّر ثمرتها.

صفّقوا للمجتهد حين يجتهد، وللمبدع حين يبتكر، وللمبادر حين يجرؤ على المحاولة. لا تنتظروا أن يُحدث إنجازه ضجّةً حتى تعترفوا به، ولا تجعلوا كلمات التقدير حكرًا على المشاهير. فهناك إنسان بسيط يصنع أثرًا عظيمًا، وتفتح فكرته أبوابًا واسعة، وقد تعيد إليه تصفيقة صادقة شغفًا كاد يخبو!

فالحياة أكبر من مباراة، وإنجازاتنا أبعد من مجرد أهداف في شباك المنافسين. لكننا، كما نفرح بهدف يسكن الزاوية البعيدة في سقف المرمى، ينبغي أن نفرح بكل إنجاز جميل يتحقق حولنا، وأن نمنح أصحابه حقهم من الاعتراف والتقدير.

فلنكن نحن أول من يصفّق، لا آخر من يعترف. ولنجعل من إشاداتنا مدرّجات تحتضن الطموح، ومن تشجيعنا مساحة ينمو فيها الإبداع، ومن تقديرنا رسالةً لكل مجتهد بأن جهده مرئيّ ومقدّر، ولكل مبدع بأن فكرته تستحق التصفيق، ولكل صاحب هدف بأن الطريق، مهما طال، لا يخلو من قلوب تؤمن به.

فإذا رأيتم هدفًا في سقف مرمى الحياة، فلا تكتفوا بمشاهدة الكرة وهي تهزّ الشباك… صفّقوا لصاحب الهدف؛ فربما كانت تصفيقتكم هي التي تدفعه إلى تسجيل هدف أجمل!

فكم من موهبةٍ أنقذها تقدير، وكم من حلمٍ أعادته كلمة، وكم من إنجازٍ عظيم بدأ بتصفيقةٍ صادقة آمنت بصاحبه قبل أن يؤمن به العالم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بصيرتي برس.. بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى