في المنتدي الدولي حول تكلفة المعرفة المفقودة .
الخرطوم تدرّس العالم كيف ينهض.. منتدى دولي يعلن 27 برنامجاً للتضامن العلمي والتعافي البحثي

في المنتدي الدولي حول تكلفة المعرفة المفقودة .
الخرطوم تدرّس العالم كيف ينهض.
تقرير: مي علي آدم
في وقت قدرت فيه اليونسكو خسائر التعليم العالي بمئات الملايين وقدمت خطة تعافٍ بقيمة 1.5 مليار دولار، قدمت الخرطوم ردها العلمي من داخل قاعة جامعة أفريقيا العالمية عبر منتدى انعقد ضمن فعاليات الأسبوع العالمي للوصول المفتوح للمنشورات العلمية، حيث جاء بالتعاون بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي واتحاد مجالس البحث العلمي العربية.
المنتدى جمع لأول مرة بعد الحرب اليونسكو والوايبو وعلماء الشتات ومديري الجامعات ليحول التضامن من شعار إلى 27 برنامج عمل تنفيذي.
وزير العدل ممثلا لرئيس الوزراء: استهداف الجامعات استهداف للمستقبل
افتتح المنتدى وزير العدل الدكتور عبدالله درف ممثلا لرئيس الوزراء راعي المنتدى، وأكد أن الحروب لا تهدم الحجر فقط بل تضرب البنية المعرفية التي تنهض عليها الأمم، وأن استهداف الجامعات والمختبرات هو استهداف مباشر لمستقبل الدولة وذاكرتها العلمية، وأن استهدافها هو استهداف لمستقبل الدولة وذاكرتها.
وأشاد درف بقرار وزارة التعليم العالي ومديري الجامعات استئناف الدراسة من داخل الخرطوم في ظروف بالغة التعقيد ووصفه بالقرار الشجاع والوطني الذي أعاد الروح لمؤسسات التعليم العالي وأكد انتقال الدولة من حالة الحرب إلى حالة الاستقرار، مؤكدا تبني رئاسة الوزراء لمخرجات المنتدى وتحويلها إلى سياسات وبرامج عمل تنفيذية.
وزير التعليم العالي: قرار العودة صنع معجزة القبول
أوضح وزير التعليم العالي والبحث العلمي البروفيسور أحمد مضوي موسى أن الحرب استهدفت البنية التحتية للتعليم العالي وشتت الباحثين وقطعت الشبكات العلمية وعطلت المشروعات البحثية، وأن التضامن العلمي العربي والدولي هو الطريق لكسر العزلة وإعادة ربط السودان بالمنظومة الدولية، وأن الوصول المفتوح للمعرفة هو حق لا يجب أن تحجبه الأزمات.
وأكد الوزير أن الوزارة اتخذت عقب التحرير قراراً استراتيجياً بعودة جميع مؤسسات التعليم العالي التي كانت تعمل بالخارج إلى مقارها الأصلية المرخصة، وأن هذا القرار وجد تجاوبا واسعا من مديري الجامعات وأدى لإغلاق المراكز الخارجية والعودة للداخل، وهو ما ساهم بشكل مباشر في الانتقال من حالة الحرب إلى الاستقرار.
وكشف أن ثمرة هذا القرار ظهرت في أرقام القبول لهذا العام والتي تعد الأعلى في تاريخ البلاد حتى مقارنة بسنوات ما قبل الحرب، حيث شهدت الجامعات إقبالا غير مسبوق عكس حالة التعافي التي تعيشها مؤسسات التعليم العالي.
وبلغ عدد الطلاب المتقدمين للجامعات هذا العام 263 ألف طالب وطالبة بنسبة 67.9% من جملة الناجحين، رُشح منهم 174,855 طالب وطالبة بنسبة 66.3%، في ما وصفه الحضور بمعجزة أكاديمية تؤكد عودة الثقة.
الفاتورة الحقيقية وخطة اليونسكو والوايبو
الصورة الأكثر دقة لحجم الضرر قدمها مدير مكتب اليونسكو في السودان الدكتور أحمد جنيد حين كشف عن تضرر مباشر طال عددا كبيرا من المؤسسات التعليمية والبحثية وتحدث عن كلفة ضخمة لإعادة بناء منظومة العلوم والتكنولوجيا وخسائر كبيرة في الأجهزة والمعدات والمختبرات والبيانات، معلنا في الوقت ذاته عن خطة تعاف أممية مقترحة تمتد لخمس سنوات تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية والتحول الرقمي وإطلاق منصات تعليمية رقمية وبرامج خاصة لدعم الباحثين وصون التراث الثقافي.
ممثلة المنظمة العالمية للملكية الفكرية الوايبو شددت على أن الخسارة الحقيقية للحرب ليست في المباني المدمرة بل في المعرفة التي لم تنتج والابتكارات التي تعطلت، معتبرة أن دعم البحث العلمي في مناطق الصراع هو أساس الصمود وبناء المستقبل، واستعرضت جهود المنظمة عبر مراكز دعم التكنولوجيا والابتكار ومبادرة التضامن من أجل المستقبل الرامية لكسر العزلة العلمية.
من جانبه أوضح منسق مبادرة التضامن من أجل المستقبل البروفيسور أحمد الريد أن المبادرة التي ترفع شعار “البحث العلمي لا ينتظر” تعمل على إعادة ربط الجسور المقطوعة وتفعيل دور العلماء السودانيين في المهجر وحشد الدعم والشراكات الدولية وتوفير برامج تدريبية وحماية الملكية الفكرية وتيسير الوصول المفتوح للمعرفة.
ومدير اتحاد مجالس البحث العلمي العربي الدكتور عبدالمجيد بن عمارة أكد أن تعطل الجامعات والمختبرات يعني ضياع ذاكرة علمية ووطنية تراكمت عبر السنين، وأن المعرفة المفقودة هي في جوهرها خسائر تنموية واقتصادية لا يمكن تعويضها، معتبرا أن انعقاد المنتدى في الخرطوم رسالة قوية تعكس متانة الإرث الأكاديمي السوداني وقدرته على النهوض.
إعلان الخرطوم.. من التضامن إلى 27 برنامج عمل
المنتدى لم يكتف بالتشخيص بل خرج بوثيقة عملية أطلق عليها “إعلان الخرطوم للتضامن العلمي والتعافي البحثي 2026-2027: البحث العلمي لا ينتظر” وتضمن 27 برنامجا إطاريا مشتركا.
الإعلان انطلق من قناعة أن خسائر البحث العلمي لا تقتصر على المباني بل تمتد لفقدان البيانات وتوقف المشروعات وتشتت الباحثين وانقطاع الشبكات العلمية، وطرح رؤية واضحة تتمثل في ألا تؤدي الأزمات إلى انقطاع دائم في إنتاج المعرفة.
وركزت الأولويات على حماية الوصول للمعرفة عبر المكتبات الرقمية والمستودعات، وتحويل الشتات العلمي إلى تضامن حقيقي عبر الإشراف المشترك والزمالات، واستعادة القدرات عبر تقاسم المرافق البحثية، وكسر العزلة عبر الدبلوماسية العلمية.
واختتم الإعلان بخطة تنفيذية مرحلية تبدأ باستكمال الصياغة خلال شهر، ثم إطلاق الأنشطة خلال ثلاثة أشهر، وصولا إلى توثيق النتائج خلال عام، مع تأكيد أن السودان سيكون مجالا أوليا لتجريب المبادرات وتطوير نماذج قابلة للتطبيق في دول عربية أخرى متأثرة بالأزمات.
انتهى المنتدى بكلمات شكر لجامعة أفريقيا العالمية على الاستضافة وللعلماء الذين عبروا عن تقديرهم لقرار العودة واصفين إياه بأنه قرار نهضة وعزة، قبل أن توزع الشهادات لأستاتذة الجامعات المشاركين في المنتدي وسط عبارة لخصت المشهد: سكنتم سويداء الفؤاد.