
رحمة عبدالمنعم يكتب :
حكومة كامل إدريس.. «زيرو شعبية»!
طالعت ردود الفعل حول مقالي أمس عن قرار الدكتور كامل إدريس رئيس الوزراء، بتكوين آلية لمكافحة جرائم المعلوماتية، والذي ذكرت أنه يستهدف إسكات أصوات الصحفيين ومطاردتهم تحت ذريعة «النشر الضار»، وقد تلقيت تعليقات كثيرة من ضباط شرطة وجيش متقاعدين وصحفيين وناشطين ومواطنين، جمعنا ببعضهم فضاء قروبات الواتساب، ولاحظت أن جميع المداخلات كانت ناقمة على حكومة الدكتور كامل إدريس وقراراتها الواهية وابتعادها عن هموم الناس ومعاناتهم.
ومن خلال هذه المداخلات خرجت بانطباع أن شعبية هذه الحكومة وصلت إلى «زيرو»! وبالطبع هذا الحكم لا يستند إلى التعليقات على مقالي وحدها، فهي لا تمثل استفتاءً عاماً، وقد بنيت هذا الانطباع أيضاً على متابعتي لمنشورات ومقاطع فيديو ظلت تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي على مدى أيام وشهور، تطالب بإقالة هذه الحكومة التي عجزت عن القيام بواجباتها.
وآخر «ترند» كان مقطع فيديو لرئيس الوزراء في لقائه مع الزميلة لينا يعقوب، قال فيه إنه «سيستقيل إذا استقال منه الشعب السوداني»، وعقب تداول المقطع، شهدت مواقع التواصل سيلاً من المنشورات بصيغة واحدة، يعلن أصحابها استقالتهم من كامل إدريس، ومن بينها منشورات تحمل أسماء أصحابها على شاكلة: «أنا المواطن السوداني السيد الطيب الشيخ، أتقدم رسمياً باستقالتي من كامل إدريس».
ويتداول كثيرون أيضاً صورة لرئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس خلال تفقده أحد الأماكن العامة، وهو يحيي رجلاً جالساً على كرسيه، لم ينهض لاستقباله، ولم يُبدِ اهتماماً يُذكر بوجوده،وعلّق البعض على المشهد بأن الرجل ربما أدرك مبكراً أن رئيس الوزراء القادم من أوروبا لن يقدم لهذه البلاد شيئاً، في تعليق يعكس حالة السخط عليه وعلى الحكومة الفاشلة التي يقودها ،أما الصورة نفسها ففيها من الدلالات ما توضحه العين وتفسده الحروف وكثرة الشرح!
ولفت نظري أيضاً منشور يحكي أن الديكتاتور الإسباني فرانكو ، وهو على فراش الموت حيث كان الناس يحتفلون بقرب خلاصهم منه، سمع هتافات الناس خارج قصره، فسأل عن سبب الضجة، فأجابه مرافقيه: «سعادتك، هذا الشعب جاء يودعك»، فنظر إليهم بدهشة وسأل: «إلى أين سيذهب الشعب؟».
وبطبيعة الحال لن يذهب الشعب السوداني إلى أي مكان إذا غادر الدكتور كامل إدريس منصبه، ونسأل الله له طول العمر والصحة والعافية، وأن يستجيب لمطالب قطاع واسع من المواطنين الذين يطالبونه بالرحيل بعد إخفاق حكومته في معالجة أزمات البلاد.
وأعلم أن السودانيين ليسوا جميعاً في مواقع التواصل الاجتماعي، وأن المنشورات والتعليقات لا تكفي وحدها لقياس الرأي العام، لكن حالة السخط يمكن قراءتها أيضاً في «الواقع والمواقع»، في صفوف الوقود المتراصة أمام الطلمبات، وفي الخبز الذي أصبح بعيد المنال عن الفقراء بعد أن بلغ سعر القطعتين ألف جنيه، وفي الأسواق الملتهبة والمستشفيات المتردية والجامعات غير المؤهلة لاستيعاب الطلاب، ولن أتحدث عن نقاشات المواصلات، فالمواصلات نفسها تكاد تكون معدومة، خصوصاً في العاصمة الخرطوم!
وعلى رئيس الوزراء وأعضاء حكومته و«الكم نفر» الذين يدعمونه أن يجروا استبياناً حقيقياً عن رضا المواطنين عن أداء الحكومة، وأن يضعوا حديثنا وما نرصده من تفاعل على مواقع التواصل جانباً، ثم يخرجوا للناس ليقولوا لهم ماذا أنجزوا، وما الذي تغير في حياتهم منذ وصول هذه الحكومة؟
الدولار «طار»، والوقود «معدوم»، والكهرباء «قاطعة»، والمياه «شحيحة»، والصحة «تعبانة»، والمدارس «تعاني»، والجامعات «منتهية»! والأزمات تتوالد، وكامل إدريس وحكومته في غفلتهم سادرون، يوزعون الوعود ويتحدثون عن الأمل، والسودانيون لم يعودوا يعرفون من «الأمل» سوى «الأمل عطبرة»!
ونعم هذه الحكومة لم تأتِ في ظروف مثالية، فهي حكومة حرب، تسلمت بلداً أنهكته المعارك وبنية تحتية مدمرة واقتصاداً منهاراً، وهذه ظروف نعرفها جيداً ولا نتجاهلها، لكنها لا تعفي الحكومة من مسؤولية العمل ووضع الخطط وتحديد الأولويات وتقديم ما يمكن تقديمه للمواطنين.
ولكي لا يكون حديثنا مجرد انطباعات، دعونا نقارن أداء حكومة الدكتور كامل إدريس بأداء الحكومة السابقة بقيادة رئيس الوزراء المكلف عثمان حسين، التي أعتقد أنها نجحت في إدارة كثير من الملفات رغم أن أجزاء واسعة من الخرطوم وولاية الجزيرة وسنار كانت تحت سيطرة العدو قبل أن تحررها القوات المسلحة، يومها كان الوقود متوفراً في معظم الولايات، ولم يكن الدولار قد وصل إلى مستوياته الحالية، وكانت الأسعار والأوضاع المعيشية في تقديري أكثر احتمالاً رغم النزوح والتشريد وظروف الحرب القاسية.
واليوم وبعد تحرير مدن ومناطق واسعة وتحسن الوضع الأمني في أجزاء كبيرة من البلاد، يتساءل المواطن: أين خطط الإعمار؟ أين الخدمات؟ أين أثر الحكومة في حياته اليومية؟ وما جدوى حكومة لا يشعر المواطن بوجودها إلا عند صدور القرارات والتصريحات؟
الدكتور كامل إدريس، الناس لا تأكل الوعود، ولا تشرب التصريحات، ولا تعالج مرضاها بخطابات الأمل، البلد يحتاج إلى عمل حقيقي ونتائج يلمسها المواطن في معاشه وخدماته..وفي تقديري فإن الاستقالة أصبحت الخيار الأكرم للدكتور كامل إدريس قبل أن تتم إقالته، فالناس أنهكتها الحرب، وأرهقتها الأزمات، ولم تعد تحتمل مزيداً من المعاناة.!
بصيرتي برس.. بصيرة الوطن