Uncategorizedالأخبار المحليةالرأي والمقالات

حين يصبح العلم والشهادة وسيلةً للوظيفة… من يبني وعي المجتمع؟

جمال الخير ابو ردف

حين يصبح العلم والشهادة وسيلةً للوظيفة… من يبني وعي المجتمع؟

………….. 

بقلم: جمال الخير ابوردف

…. إقبال على التخصصات التطبيقية وعزوف عن الآداب والقانون والدراسات الإسلامية

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السودان، لم يعد اختيار التخصص الجامعي قرارًا أكاديميًا فحسب، بل أصبح في كثير من الأحيان قرارًا تحكمه حسابات المستقبل الوظيفي، وفرص العمل، والقدرة على مواجهة أعباء الحياة. ومن هنا، يتزايد اهتمام كثير من الطلاب بالتخصصات التطبيقية، في مقابل تراجع الاهتمام بتخصصات مثل الآداب والقانون والدراسات الإسلامية.

ولا يمكن لوم الشباب على بحثهم عن مستقبل مهني مستقر، ولا التقليل من أهمية الطب والهندسة والتقنية وسائر العلوم التطبيقية، فهي ركيزة أساسية للتنمية وإعادة بناء ما دمرته الحرب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي أن نُخرّج أجيالًا تمتلك المهارات الفنية، إذا لم نمنح الاهتمام ذاته لمن يبنون الوعي، ويحفظون الحقوق، ويعززون القيم؟

إن المجتمع لا ينهض بالمباني والآلات والتقنيات وحدها؛ بل يحتاج أيضًا إلى العقل الذي يحلل مشكلاته، والقانوني الذي يصون حقوق أفراده، والأديب الذي يحفظ لغته وهويته، والعالم المؤهل الذي ينشر الفهم الديني الرشيد ويعزز القيم الأخلاقية.

فالآداب ليست ترفًا، والقانون ليس مجرد نصوص، والدراسات الإسلامية ليست تخصصات هامشية. إنها مجالات تتصل مباشرة ببناء الإنسان، وتنظيم العلاقات، وترسيخ العدالة، وتعزيز التماسك الاجتماعي. وفي بلد مثل السودان، يواجه تحديات الحرب والنزوح والتعافي وإعادة بناء المؤسسات، تزداد الحاجة إلى هذه المعارف، لا تقل.

لكن من الإنصاف أن نعترف بأن اتجاه الطلاب نحو التخصصات التطبيقية قد يكون استجابة واقعية لمخاوف البطالة وضعف العائد المهني في بعض المجالات. ولذلك، فإن معالجة الظاهرة لا تكون بالدعوة إلى العزوف عن العلوم التطبيقية، وإنما بتطوير التخصصات الأخرى، وتوسيع فرص العمل لخريجيها، وربط مناهجها باحتياجات المجتمع، وتعزيز التدريب والمهارات الرقمية والبحثية.

كما تقع على الجامعات والمؤسسات التعليمية مسؤولية توعية الطلاب بفرص التخصصات المختلفة، بعيدًا عن الصور النمطية التي تجعل بعض الكليات عنوانًا للنجاح، وتصوّر أخرى وكأنها خيارات أقل قيمة.

ومع ذلك، ينبغي أن نتحقق من حجم هذه الظاهرة بالأرقام والإحصاءات، حتى لا تتحول الانطباعات العامة إلى أحكام قاطعة على واقع التعليم الجامعي.

إن السودان، وهو يتطلع إلى التعافي والنهوض، يحتاج إلى تكامل العقول والتخصصات؛ إلى الطبيب الذي يعالج، والمهندس الذي يعمّر، والمبرمج الذي يبتكر، والقانوني الذي ينصف، والأديب الذي يضيء الوعي، والعالم الذي يجمع بين العلم والحكمة.

فليست المشكلة في أن يقبل الطلاب على التخصصات التطبيقية، وإنما في أن يصبح النجاح في نظر المجتمع محصورًا في تخصصات بعينها، وأن نفقد التوازن بين بناء أدوات الحياة وبناء الإنسان الذي يمنحها معناها.

إن نهضة السودان لن تتحقق بتخصص واحد، ولا بعلم دون آخر، بل بمنظومة تعليمية تحترم جميع فروع المعرفة، وتمنح كل تخصص فرصته في التطور والإبداع وخدمة المجتمع.

فالأوطان لا تحتاج إلى من يبنون عمرانها فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى من يبنون وعيها، ويحفظون حقوقها، ويصونون هويتها وقيمها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بصيرتي برس.. بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى