الأخبار المحلية

عباس الماحى... نقطة سطر جديدعذرًا… لم يكتمل النصاب

عباس الماحى


ما إن يُعلن عن انتخابات في رابطة اجتماعية، أو لجنة فريق رياضي، أو جمعية تطوعية، أو حتى تجمع أسري صغير، حتى تبدأ حالة من الحراك تكاد توحي للمتابع بأننا على موعد مع انتخابات تحدد مصير العالم.
فجأة يصبح الجميع خبراء في اللوائح والنظم الأساسية، وتتحول المجالس اليومية إلى غرف عمليات، وتزدحم الهواتف بالاتصالات، وتكثر الزيارات التي انقطعت منذ سنوات، ويكتشف البعض فجأة صلة قرابة لم يكونوا يتذكرونها إلا عند اقتراب موعد الاقتراع.

الصحفي عباس الماحى


وفي الأيام العادية قد لا يجد المرء من يسأله عن أحواله، لكن في موسم الانتخابات يصبح شخصية مهمة… تنهال عليه التحايا والابتسامات والدعوات لتناول وجبة أو لشرب الشاي والقهوة، حتى يكاد يظن أن المجتمع قد دخل عصرًا جديدًا من المحبة والتواصل الإنساني.


أما المرشحون، فلكل واحد منهم برنامج انتخابي يكفي لإصلاح الكون كله. هذا يعد بنقلة نوعية، وذاك يتحدث عن مرحلة تاريخية، وثالث يرسم أحلامًا أكبر من إمكانيات الجمعية نفسها. والمثير أن معظم هذه الوعود تختفي في صباح اليوم التالي لإعلان النتائج، وكأنها كانت جزءًا من الحملة لا أكثر.


ولا يكتمل المشهد دون تلك الفئة التي يبدو أن علاقتها بالعمل العام تختصر أحيانًا في شيء واحد: الجلوس على كرسي الرئاسة. فبعض الناس لا يهمهم حجم المؤسسة، ولا طبيعة المهمة، ولا حتى عدد الأعضاء؛ المهم أن يكون هناك كرسي في المقدمة يحمل لقبًا أكبر من بقية الألقاب.


والغريب أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الانتخابات وحدها، بل تمتد أحيانًا إلى أبسط المبادرات الاجتماعية… فما إن تُشكَّل لجنة أو يُطرح عمل جماعي حتى يبدأ السؤال الضمني الذي لا يُقال بصوت مرتفع: من سيكون الرئيس؟


وقد حيّرني هذا الأمر كثيرًا في موقف عشته بنفسي…فقد اجتمع عدد من الأخوان لتكريم أحد الأصدقاء، بعد تعيينه في منصب رفيع، وهي مناسبة كان يفترض أن تجمع الجميع حول قيمة الوفاء والاعتزاز بنجاح أحد أبنائهم. لكن ما إن بدأت الترتيبات حتى تسابق الجميع إلى رئاسة لجنة التكريم، واحتدم الخلاف حول من يقود اللجنة ومن يتصدر المشهد.


ولأن الأمر خرج عن إطاره الطبيعي، اضطر صاحب المناسبة نفسه إلى التدخل شخصيًا لإصلاح ذات البين وإنهاء الخلاف… والمفارقة أنه لم ينجح في ذلك، فانقسم الأصدقاء إلى فريقين، وقرر كل فريق إقامة حفل تكريم مستقل!


وهنا يقف المرء حائرًا: كيف نجح المُكرَّم في الوصول إلى منصبه الرفيع، بينما عجزنا نحن عن الاتفاق على من يتولى إدارة حفل تكريمه؟ وكيف تحولت مناسبة يفترض أن تجمع القلوب إلى سبب جديد للاختلاف؟
إنها من تلك المفارقات الاجتماعية التي تجعل السخرية أحيانًا أقرب إلى الواقع من الخيال.


لكن المشهد الأكثر إثارة يبدأ عندما تلوح في الأفق مؤشرات لا ترضي بعض الأطراف…هنا تتغير قواعد اللعبة.
لم يعد الفوز هو الهدف الوحيد، بل أصبح منع الآخرين من الفوز إنجازًا يستحق الاحتفال.


فتبدأ عمليات الحشد العكسي…هناك من يقنع الناس بالحضور، وهناك من يقنعهم بعدم الحضور، هناك من يبحث عن الأصوات، وهناك من يبحث عن الغياب… وكأننا أمام منافسة بين فريق يريد إقامة المباراة وفريق آخر يريد إطفاء أنوار الملعب قبل بدايتها.
والأدهى والأمر أن بعض الأصوات لا تُستمال دائمًا بالبرامج أو الأفكار، بل تجد طريقها أحيانًا عبر وسائل أخرى أكثر عملية، فتظهر فجأة الولائم غير المتوقعة، وتتكاثر المجاملات الاستثنائية، وتُستعاد صداقات قديمة، وتُقدَّم خدمات وهدايا في توقيت يبدو بريئًا إلى درجة تدعو للريبة.


والمفارقة أن أغلب هذه الروابط والجمعيات واللجان تعمل أصلًا في مجالات الخير والعمل التطوعي وخدمة المجتمع، وترفع شعارات التعاون والإيثار والعطاء…لكن بعض الممارسات الموسمية تجعل المتابع يتساءل مبتسمًا: هل نحن أمام منافسة لخدمة الناس أم منافسة على إدارة من يخدم الناس؟


ففي عالم يُفترض أن تكون فيه القناعة هي الناخب الأول، يصبح للصوت أحيانًا ثمن غير معلن، وللمجاملة وزن يفوق البرامج، وللهدية تأثير يتجاوز الأفكار. وحين يحدث ذلك، لا تكون الخسارة خسارة مرشح أو فوز آخر، بل خسارة المعنى الجميل الذي قامت من أجله تلك المؤسسات منذ البداية.


وفي يوم الانتخابات يحضر المتحمسون مبكرًا، وتتبادل الوجوه النظرات، وتُراجع الكشوفات، ويحسب كل طرف فرصه بالدقيقة والثانية. ثم يبدأ السؤال الأشهر:
كم عدد الحضور؟


يتحرك البعض بين المقاعد كما يتحرك مدرب كرة قدم في الدقائق الأخيرة من المباراة، ويخرج آخرون لإجراء اتصالات عاجلة وكأن مصير بعثة فضائية معلق على رد أحد الأعضاء المتأخرين.
تمر الدقائق، وترتفع التوقعات، ثم يأتي الإعلان الذي يعرفه الجميع ويحفظونه عن ظهر قلب:
“عذرًا… لم يكتمل النصاب.”


عندها تنقسم القاعة إلى فريقين؛ فريق يشعر بخيبة أمل لأنه جاء على أمل المشاركة والاختيار، وفريق يحاول إخفاء ابتسامة صغيرة نجحت في التسلل إلى وجهه رغم محاولات التظاهر بالحزن.


العجيب أن هذه الجمعيات والروابط واللجان قامت أساسًا لخدمة الناس وتقوية الروابط الاجتماعية والعمل التطوعي، لكنها أحيانًا تتحول في موسم الانتخابات إلى ساحة تنافس تجعل الناظر يعتقد أن المقاعد المعروضة ليست كراسي إدارة، بل مفاتيح الكنوز المفقودة.
ولو أن جزءًا من الجهد المبذول في حساب الأصوات، ورسم التحالفات، ومراقبة الحضور والغياب، وقراءة النوايا، وقياس الولاءات، وسباقات الرئاسة، وفض النزاعات حول الألقاب والمواقع، وُجِّه إلى خدمة الأهداف التي أُنشئت من أجلها تلك الكيانات، لكانت إنجازاتها أضعاف ما هي عليه اليوم.


فالكرسي في نهاية الأمر قطعة أثاث لا أكثر، أما الخدمة الصادقة فهي التي تبقى. والموقع الإداري مهما طال أمده سينتهي، لكن الأثر الطيب والعمل النافع يظلان في ذاكرة الناس.
ولذلك، كلما سمعنا العبارة الشهيرة:
“عذرًا… لم يكتمل النصاب”
لا يسعنا إلا أن نتساءل مبتسمين:
هل غاب الأعضاء فعلًا… أم أن النصاب نفسه قرر أن يأخذ إجازة حتى إشعار آخر؟


وربما يضيف البعض سؤالًا آخر لا يقل وجاهة:
هل المشكلة حقًا في غياب الناس عن الكراسي… أم في كثرة الذين لا يستطيعون الابتعاد عنها؟

بصيرتي برس بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى