البروفيسور محجوب هجانة: الهند لم تمنح طفلًا سودانيًا قلبًا فقط… بل قدمت للعالم درسًا في اقتصاد الإنسان


نيودلهي – لقاء اقتصادي
البروفيسور محجوب هجانة
يرى البروفيسور محجوب هجانة، المستشار والخبير الاقتصادي والباحث في الشؤون الاقتصادية الهندية، أن بعض الأحداث الإنسانية تتجاوز حدود الأخبار لتتحول إلى مؤشرات اقتصادية وحضارية عميقة، وأن نجاح الهند في إجراء عملية زراعة قلب لطفل سوداني لم يكن مجرد إنجاز طبي، بل نموذج تنموي يؤكد أن الإنسان هو الأصل الإنتاجي الأهم، وأن رأس المال البشري يظل الركيزة الحقيقية لازدهار الأمم.
وجاء ذلك تعليقًا على نجاح عملية زراعة قلب لطفل سوداني يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا في العاصمة الهندية نيودلهي، بعد أن وافقت أسرة معلمة هندية أُعلنت وفاتها دماغيًا على التبرع بأعضائها. وتحركت منظومة صحية متكاملة في سباق مع الزمن، شارك فيها فريق طبي متخصص، وطائرة لنقل القلب، و«الممر الأخضر» الذي وفرته الشرطة، حتى أُنجزت العملية بنجاح، في مشهد جسّد أن الإنسانية لا تعترف بجنسية أو دين أو عرق عندما تكون حياة الإنسان على المحك.
ويؤكد البروفيسور هجّانة أن هذه الواقعة ليست استثناءً، بل امتداد لثقافة مؤسسية ومجتمعية أسهمت في بناء واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم. فالهند لم تستثمر في البنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا فحسب، بل استثمرت في الإنسان، وفي رأس المال الاجتماعي، وفي بناء مؤسسات تمتلك الكفاءة والثقة والقدرة على الاستجابة السريعة.
ويضيف أن الاقتصاد الحديث لم يعد يقيس قوة الدول بحجم الناتج المحلي الإجمالي أو وفرة الموارد الطبيعية وحدهما، بل بمؤشرات أكثر عمقًا تشمل جودة المؤسسات، وكفاءة الحوكمة، ورأس المال البشري، ورأس المال الاجتماعي، ومستوى الثقة العامة. فهذه الأصول غير الملموسة ترفع الإنتاجية، وتخفض تكلفة المعاملات، وتعزز جاذبية الاستثمار، وترفع القدرة التنافسية، وتحقق التنمية الاقتصادية المستدامة.
ويرى البروف هجّانة أن ما حدث في الهند يجسد التقاء الكفاءة المؤسسية بالمسؤولية المجتمعية، فتحولت مأساة إنسانية إلى قصة حياة، ورسالة حضارية، ودرس اقتصادي يؤكد أن الاستثمار في الإنسان يحقق عوائد تتجاوز كل الحسابات المالية.
ويقول الروف هجانة :
“أنا لا أفخر بالهند لأنها أصبحت من أكبر اقتصادات العالم فحسب، بل أفخر بها لأنها أثبتت أن القوة الاقتصادية لا تنفصل عن القوة الإنسانية. وهذا ليس غريبًا على الهند ولا على شعبها، فقد قدمت للسودان، في محطات مختلفة، مبادرات إنسانية وصحية، وأسهمت في دعم عدد من البرامج الطبية، إلى جانب مبادرات لتوفير أطراف صناعية لمصابين سودانيين، وهو ما يعكس أن العلاقات بين الشعوب لا تُقاس بالمصالح الاقتصادية وحدها، بل أيضًا بالقيم الإنسانية. فالحضارة لا تُقاس بما تنتجه المصانع وحدها، بل بما تزرعه القلوب من رحمة، وما تبنيه المؤسسات من ثقة، وما تتركه الأمم من أثر في حياة البشر.”
ويؤكد البروفيسور هجّانة أن التجربة الهندية تقدم رسالة مهمة للدول النامية، مفادها أن بناء الإنسان ليس بندًا في الموازنة العامة، بل هو أعظم استثمار اقتصادي يمكن أن تقوم به أي دولة. فالدول التي تضع الإنسان في قلب سياساتها تمتلك مستقبلًا أكثر استقرارًا ونموًا وقدرة على مواجهة الأزمات.
ويؤكد البروفيسور محجوب هجّانة حديثه بقوله:
“الهند لم تمنح طفلًا سودانيًا قلبًا جديدًا فقط، بل قدمت للعالم درسًا خالدًا في اقتصاد الإنسان. فقد أثبتت أن أعظم استثمار ليس في الذهب ولا النفط ولا المصانع، وإنما في الإنسان نفسه. وما قدمته للسودان في أوقات المحنة يؤكد أن الحضارات العظيمة لا تُخلّد بما تملكه من ثروات، بل بما تمنحه للبشر من حياة وأمل. فالاقتصاد الحقيقي لا يبدأ بالنقود، ولا ينتهي بالأرقام، وإنما يبدأ بالإنسان… وينتهي بخدمة الإنسان.”
ويختتم البروفيسور محجوب هجّانة بسؤال يختصر جوهر القضية:
“إذا كانت قوة الدول تُقاس بحجم اقتصاداتها، فهل تُقاس عظمتها أيضًا بقدرتها على إنقاذ الإنسان؟ وهل تستطيع أمة أن تدّعي الريادة الاقتصادية، وهي تعجز عن جعل الإنسان أغلى من كل الأرقام؟”