الاتفاق النووي الأمريكي السعودي2026: لماذا يثير السماح بتخصيب اليورانيوم القلق في واشنطن والمنطقة؟

الاتفاق النووي الأمريكي السعودي
قسم التحليلات السياسية — صحيفة بصيرتي برس الإلكترونية
تُكثف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحركاتها لتمرير اتفاقية للتعاون النووي المدني مع المملكة العربية السعودية؛ وهي خطوة تتيح للرياض إمكانية تخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود النووي المستنفد محلياً. وبينما يحمل هذا الاتفاق آفاقاً اقتصادية واستراتيجية واسعة للطرفين، فإنه يثير في الوقت ذاته هواجس أمنية وقلقاً إقليمياً ودولياً من مخاطر إطلاق سباق تسلح نووي في منطقة الشرق الأوسط. وفيما يلي قراءة شاملة أعدها فريق “بصيرتي برس” لأبرز أبعاد هذا الاتفاق وأسباب الجدل المثار حوله.

تفاصيل الاتفاق النووي المقترح
تجري واشنطن والرياض منذ سنوات محادثات مكثفة للتوصل إلى اتفاق يمنح السعودية التكنولوجيا الأمريكية اللازمة لتطوير برنامجها النووي، ويفتح الباب أمام الشركات الأمريكية للفوز بعقود بناء المفاعلات. ووفقاً لمصادر مطلعة، أبدت إدارة ترامب استعدادها لطرح الاتفاق على الكونغرس الأمريكي، إلا أن الصيغة المعتمدة تفتقر إلى ضوابط حاسمة.
في المقدمة يأتي غياب ما يُعرف بـ “المعيار الذهبي”، حيث لا يتضمن الاتفاق التزام السعودية بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود المستنفد محلياً، وهما مساران يتيحان تقنياً إنتاج مواد انشطارية صالحة للاستخدام العسكري. كما ينقص الاتفاق بند “البروتوكول الإضافي” الذي يمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات تفتيش موسعة وغير مشروطة.
وعلى صعيد اختبار الكونغرس، فبمجرد إحالة الاتفاق رسمياً، يمتلك المشرّعون الأمريكيون مهلة 90 يوماً لتعطيله، وهو ما يحتاج إلى أغلبية الثلثين لتجاوز أي حق نقض (فيتو) رئاسي محتمل. وفي الوقت نفسه، يرى محللون أن التساهل مع بند التخصيب السعودي يطرح علامات استفهام حول اتساق السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما وأن رفض طهران التخلي عن التخصيب كان أحد أبرز مبررات التصعيد الأمريكي ضد إيران.
دوافع السعودية لامتلاك برنامج نووي
على الرغم من كون المملكة أكبر مُصدّر للنفط في العالم، إلا أن توجهها النووي يأتي في إطار تحولات هيكلية ترتبط باستراتيجية “رؤية 2030” التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
يهدف هذا التوجه في المقام الأول إلى ترشيد استهلاك النفط، حيث تسعى الرياض للتقليل من الاعتماد على النفط في توليد الطاقة والاعتماد بدلاً من ذلك على الطاقة النووية لتلبية احتياجات القطاعات كثيفة الاستهلاك، مثل تحلية المياه وتكييف الهواء، بما يحرر كميات أكبر من النفط الخام المخصص للتصدير. كما تسعى المملكة لاستغلال الموارد الوطنية عبر تخصيب خامات اليورانيوم المتوفرة على أراضيها وإنتاج “الكعكة الصفراء” لتوليد الطاقة وتصديرها.
إضافة إلى ذلك، تبرز معادلة الردع الإقليمي، حيث أكدت القيادة السعودية في مناسبات سابقة أنه إذا طوّرت إيران سلاحاً نووياً، فإن المملكة ستكون مجبرة على اتخاذ الخطوة ذاتها لحماية أمنها القومي. وهو ما دفع سناتورات بارزين، مثل الديمقراطي كريس ميرفي، للتحذير من أن هذا الاتفاق قد يُشعل “سباق تسلح نووي” يُحبط جهود احتواء البرنامج الإيراني.
المكاسب الاستراتيجية والتجارية للولايات المتحدة
تخضع هذه الاتفاقيات للمادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954، والتي تحدد معايير منع الانتشار النووي. وتحقق واشنطن من خلال هذا الاتفاق عدة مكاسب استراتيجية واقتصادية بارزة.
تجارياً، يمنح الاتفاق الشركات الأمريكية أسبقية الفوز بصفقات بناء وتطوير محطات الطاقة النووية السعودية التي تُقدر بمليارات الدولارات. وأمنياً، يوفر للولايات المتحدة قدرة ملموسة على الاطلاع والرقابة المباشرة على البنية التحتية والأنشطة النووية السعودية، مما يقلل من مخاوف الخروج عن الأغراض السلمية. أما سياسياً، فيسهم التعاون النووي في دعم النفوذ الدبلوماسي وتعزيز العلاقات الثنائية مع الرياض، خاصة بعد فصل هذا الملف عن مسار التطبيع مع إسرائيل، والذي تشترط السعودية لحسمه مساراً مؤدياً لإقامة دولة فلسطينية.
الخيارات البديلة أمام المملكة
في حال تعثر المحادثات أو رفض الكونغرس الأمريكي للاتفاق، تمتلك السعودية خيارات دولية متعددة مع القوى النووية الكبرى. إذ قدمت “المؤسسة الوطنية النووية الصينية” (CNNC) عرضاً مبدئياً لبناء محطة نووية في المملكة. وفي الوقت ذاته، وقعت شركة “روساتوم” الروسية بالفعل اتفاقيات أوليّة للتعاون مع الرياض. كما تُعد كل من كوريا الجنوبية وفرنسا من المنافسين البارزين، بالنظر إلى تجربة كوريا الجنوبية الناجحة في بناء مفاعلات “بركة” في دولة الإمارات.
عقدة التخصيب ومفهوم “الصندوق الأسود”
تتركز المعضلة التقنية والدبلوماسية في مدى السماح للسعودية بإدارة منشأة التخصيب على أراضيها. ويتمثل أحد الحلول المطروحة في تطبيق ترتيبات “الصندوق الأسود” (Black Box)، وهو إنشاء منشأة تخصيب داخل السعودية تكون تحت تشغيل وإدارة أمريكية بالكامل، مع منع الكوادر المحلية من الوصول للتكنولوجيا الحساسة.
وعلى الصعيد الإقليمي، تواصل إسرائيل إبداء معارضتها لأي اتفاق يتيح لدول المنطقة امتلاك قدرات تخصيب محلية، بداعي الحفاظ على التفوق الاستراتيجي ومنع انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط.
تم إعداد وتطوير هذا التقرير التحليلي بواسطة العاملين في قسم الأخبار والتحليلات بصحيفة بصيرتي برس الإلكترونية، اعتماداً على المعطيات الموثقة الصادرة عن وكالة رويترز (Reuters). جميع الحقوق محفوظة © صحيفة بصيرتي برس الإلكترونية.
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك بصيرتي برس https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/