Uncategorizedالأخبار المحليةالرأي والمقالات

ليس كل طريق شاق دليلًا على العزيمة، ولا كل خطوة تقرّبنا من أحلامنا، ولا كل إصرار فضيلة. فبعض المعاناة تفرضها الحياة، وبعضها الآخر نصنعه بأيدينا حين نسيء الاختيار

عباس الماحي

عباس الماحى

نقطة سطر جديد

السير في الوحل

**************

ليس كل طريق شاق دليلًا على العزيمة، ولا كل خطوة تقرّبنا من أحلامنا، ولا كل إصرار فضيلة. فبعض المعاناة تفرضها الحياة، وبعضها الآخر نصنعه بأيدينا حين نسيء الاختيار، ثم نمضي في مسارات تستنزف أعمارنا وطاقاتنا، ونظل عالقين فيها لأننا نتردد في الاعتراف بالخطأ أو نخشى تصحيحه.

تخيّل إنسانًا يقف أمام طريقين؛ أحدهما واضح المعالم، ممهّد الخطوات، يقوده إلى غايته بأقل قدر من المشقة، والآخر موحل، تغوص فيه الأقدام وتتعثر الخطوات، وتزداد وعورته كلما توغّل فيه. ومع ذلك، يختار الطريق الثاني، ويواصل السير رغم عنائه، ثم لا يكف عن الشكوى من صعوبته، كأن أحدًا أجبره عليه، لا كأنه اختاره بإرادته.

أليست هذه الصورة أقرب إلى حياتنا مما نظن؟ فكثيرًا ما نستنزف سنوات في معارك لا تستحق، ونتمسك بعلاقات تثقل أرواحنا، ونواصل تنفيذ قرارات لم نحسب عواقبها، حتى يصبح التخلص من آثارها أصعب من تجنّبها منذ البداية.

إن السير في الوحل ليس مجرد صورة لطريق تغمره الأطيان، بل استعارة لحال الإنسان حين يسيء التقدير، ثم يحوّل خطأه إلى معاناة ممتدة؛ إما لأن عاطفته تحجب عنه الحقائق، أو لأن عناده يمنعه من التراجع، أو لأنه يخشى أن يبدو مخطئًا بعدما أنفق الكثير في سبيل اختياره.

فالمشكلة لا تبدأ دائمًا من قسوة الطريق، بل قد تنشأ من قرار متسرع، أو ثقة في غير موضعها، أو اندفاع تحكمه العاطفة. ومع مرور الوقت، تتراكم الخسائر حتى يصبح الرجوع أكثر كلفة مما كان عليه في البداية.

ومن أبرز أسباب التمسك بالاختيارات الخاطئة العناد؛ إذ يرى بعض الناس في التراجع اعترافًا بالهزيمة، وفي تغيير القرار إقرارًا بالفشل، فيفضّلون مواصلة الخسارة على مواجهة الحقيقة. وهكذا يصبح الحفاظ على ماء الوجه أهم من بلوغ الغاية، ويتحول الإصرار من وسيلة للنجاح إلى غاية في ذاته، حتى حين تتضح محدودية جدواه.

وقد تقودنا العاطفة إلى مسارات لا تخدم مصالحنا؛ فالحب قد يحجب عنا عيوبًا واضحة، والغضب قد يدفعنا إلى قرارات متسرعة، والطموح حين ينفصل عن الواقعية قد يجرّنا إلى تجارب تفوق إمكاناتنا. كذلك قد تخدعنا المظاهر، فننجذب إلى بريق الأشياء دون أن نتبين ما تخفيه من أعباء ومخاطر.

وثمة اعتقاد آخر يزيد الأمر تعقيدًا، وهو أن ما يأتي بسهولة قليل القيمة، وأن النجاح لابد أن يكون مصحوبًا بالألم. غير أن قيمة الإنجاز لا تكون بحجم المعاناة التي تسبق تحقيقه، بل بما يضيفه إلى حياتنا من خبرة، وما يحققه من أهداف، وما يصونه لنا من كرامة واستقرار وسلام نفسي.

فليست كل صعوبة جديرة بالمواجهة، كما أن الطريق الميسّر ليس بالضرورة أقل قيمة … هناك مشقات تصقل شخصياتنا وتقرّبنا من غايات تستحق التضحية، وأخرى لا تخلّف وراءها غير التعب والفرص الضائعة والوقت المهدور. والحكمة ليست في اختيار الطريق الأسهل دائمًا، بل في معرفة متى تستحق المشقة أن نتحملها، ومتى يصبح الاستمرار فيها ضربًا من المكابرة.

اعتدنا أن نمدح الإصرار والمثابرة، وهما من مقومات النجاح، لكننا كثيرًا ما نغفل عن الفرق بين التمسك بالغاية والتشبث بوسيلة ثبت فشلها. فقد يكون الهدف جديرًا بالسعي، بينما لم يعد المسار الذي اخترناه للوصول إليه صالحًا.

إن مواصلة السير في طريق مسدود لا تصبح شجاعة لمجرد أننا تحملنا مشقته، كما أن العدول عن قرار خاطئ لا يعني الهزيمة. بل قد يكون الاعتراف بالخطأ من أشجع المواقف التي يتخذها الإنسان؛ لأنه يتطلب منه التحرر من كبريائه ومواجهة الحقيقة بدلًا من الاحتماء بقراراته السابقة.

وهنا تكمن مفارقة مؤلمة: أن يبذل الإنسان جهدًا مضاعفًا، لا لأنه يسير في الاتجاه الصحيح، بل لأنه لا يريد الاعتراف بأنه اختار الاتجاه الخطأ.

وقد يتحول ما أنفقناه من وقت ومال وجهد إلى قيد يمنعنا من اتخاذ القرار الأنسب؛ فنخشى الاعتراف بالخسائر السابقة، ونتجاهل أن مواصلة المسار نفسه قد تكلفنا أضعاف ما فقدناه بالفعل.

لكن الإنسان الواعي لا يقيس صواب قراره بما استثمره فيه، وإنما بجدواه وقدرته على تحقيق الغاية المنشودة. فليس مطلوبًا منا الدفاع عن كل قرار اتخذناه، بل امتلاك الشجاعة لمراجعته وتصحيحه حين تكشف التجربة قصوره.

ولا تقف عواقب الاختيارات الخاطئة عند صاحبها دائمًا، بل قد تمتد إلى أسرته، وتؤثر في علاقاته، وتثقل كاهل من يرتبطون به. فقرار متسرع قد يبدد سنوات من الاستقرار، وعلاقة غير متوازنة قد تترك جراحًا عميقة، وموقف تحكمه المكابرة قد يهدم جسور الثقة والاحترام.

لذلك، فإن حسن الاختيار مسؤولية تتجاوز المصلحة الشخصية. فمن حق الإنسان أن يخطئ ويتعلم، لكنه مسؤول أيضًا عن مراجعة قراراته واستيعاب نتائجها، حتى لا يتحول الخطأ إلى نمط متكرر يلحق الأذى به وبمن حوله.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نحمّل الإنسان مسؤولية كل ما يعانيه؛ فالحياة لا تمنحنا دائمًا خيارات عادلة، وبعض المحن تفرضها ظروف خارجة عن إرادتنا مهما أحسنّا التدبير …لكن ثمة فرقًا بين مشقة لا نملك دفعها، وأخرى نضاعفها حين نتجاهل البدائل المتاحة ونصرّ على باب مغلق، رغم وجود أبواب أخرى قد تقودنا إلى النجاة.

وتبدأ المسؤولية حين نميّز بين ما لا نستطيع تغييره وما نملك التأثير فيه، فنوجّه طاقتنا إلى الممكن بدلًا من استنزافها في الشكوى والمكابرة. فليس من الحكمة أن نلوم الطريق على كل تعثر، كما ليس من الإنصاف أن نلوم أنفسنا على كل عقبة؛ إنما الحكمة أن نعرف أين تنتهي حدود الظروف، وأين تبدأ مسؤوليتنا عن الاختيار.

وتبدأ الحكمة أحيانًا بالتوقف، لا للاستسلام، لنرى ما عجزنا عن إدراكه ونحن مندفعون إلى الأمام. فليس كل تقدم حركة في الاتجاه الصحيح، وقد تكون لحظة مراجعة صادقة أنفع من سنوات من السير بلا جدوى …وقبل أن نواصل مسارًا يرهقنا، علينا أن نسأل أنفسنا: هل ما زالت هذه الغاية تستحق ما نبذله من أجلها؟ وهل تقرّبنا خطواتنا منها، أم أننا نكرر الأخطاء ذاتها وننتظر نتائج مختلفة؟ وهل نتمسك بهذا الخيار لقيمته فعلًا، أم خوفًا من الاعتراف بأننا أخطأنا؟

إن تغيير المسار لا يعني التخلي عن الطموح، بل قد يكون الوسيلة الأذكى لتحقيقه. فربما لا نحتاج إلى بذل جهد أكبر بقدر ما نحتاج إلى توجيهه في الاتجاه الصحيح.

ويقتضي ذلك أن نمنح العقل فرصة للتقدير قبل أن تحسم العاطفة قراراتنا، وأن نزن العواقب قبل الاندفاع وراء الرغبات، وأن ندرك أن بعض المعارك لا تستحق أن نخوضها، وبعض الأبواب لا جدوى من مواصلة طرقها، وبعض العلاقات لا يمكن إصلاحها بإرادة طرف واحد مهما بذل من جهد.

والأهم أن نتعلم الاعتراف بالخطأ في الوقت المناسب؛ فكلما اكتشفنا مبكرًا أننا نسير في الاتجاه الخاطئ، قلت كلفة العودة واتسعت فرص التصحيح. أما تأجيل المواجهة، فقد يحوّل الخطأ الصغير إلى أزمة كبيرة، لا بسبب بدايته وحدها، بل بسبب إصرارنا على تجاهله.

وليست الحكمة أن نتجنب كل طريق وعر؛ فبعض الأهداف لا تُنال إلا بالصبر، وبعض التجارب لا تمنحنا دروسها إلا بعد المشقة. إنما الفطنة أن نميّز بين صعوبة تقودنا إلى غاية تستحق، ومعاناة تستنزفنا دون أن تضيف إلى حياتنا معنى أو قيمة.

فعليك أن تختر طريقك قبل أن تلعن وعورته، لأن الحياة رحلة لا تخلو من العثرات، ولا تعدنا طرقها جميعًا بالسهولة والوضوح. لكن بين الصعوبات التي تفرضها الظروف، وتلك التي نصنعها بأيدينا، مساحة واسعة تتسع للوعي وحسن التدبير وشجاعة المراجعة.

لذلك، قبل أن نخطو خطوة جديدة، علينا أن نتأمل المسار الذي نختاره، ونتحقق من أنه يقودنا فعلًا إلى ما نريد، لا إلى ما اعتدنا عليه، أو ما نخشى التخلي عنه، أو ما يدفعنا إليه عنادنا.

فإذا كان أمامنا طريق أوضح وأقل كلفة، فلماذا نختار الوحل؟ وإذا اكتشفنا أننا غرقنا فيه، فلماذا نصرّ على البقاء؟ أهو الأمل في أن يتغير الطريق من تلقاء نفسه، أم الخوف من الاعتراف بالخطأ، أم اعتقادنا أن ما تحملناه من مشقة يجعل مواصلة السير واجبًا؟

ليس العيب أن تتسخ أقدامنا بطين الحياة، أو أن نتعثر في رحلة البحث عن أهدافنا؛ فذلك جزء من التجربة الإنسانية. وإنما العيب أن ندرك أن الطريق يستنزفنا، ونرى البدائل أمامنا، ثم نواصل السير لمجرد أننا بدأناه، أو لأننا لا نريد الاعتراف بأن اختيارنا لم يكن صائبًا.

ليست البطولة في تحمّل مشقة كل طريق، بل في معرفة أي الطرق يستحق أن نسلكه، ومتى نواصل السير، ومتى نتوقف، ومتى تكون العودة بداية النجاة لا علامة الهزيمة.

فبعض المعاناة تصقل خبرتنا وتمنحنا الحكمة، وبعضها الآخر لا يورثنا غير الندم، وكان بالإمكان تجنبه بحسن الاختيار. وبينهما تتحدد قدرتنا على أن نعيش بوعي، ونتقدم ببصيرة، ونحفظ أعمارنا وطاقاتنا لما يستحق.

فلا تجعل العناد يقنعك بأن تحمّل الألم دليل قوة، ولا تدع خوفك من التراجع يدفعك إلى مزيد من الخسارة. اختر طريقك بوعي، وإذا اكتشفت أنك أخطأت، فلا تهدر بقية الرحلة دفاعًا عن خطوة لم تكن في الاتجاه الصحيح …

ليست الخسارة أن تعود عن طريق أخطأت اختياره، بل أن تُفني عمرك في الوحل كي لا تعترف بأن النجاة تبدأ بخطوة إلى الوراء.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بصيرتي برس.. بصيرة الوطن 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى