الدكتورة أميرة الفاضل.. ثروة اقتصادية سودانية لم نحسن استثمارها
الدكتورة أميرة الفاضل

الدكتورة أميرة الفاضل.. ثروة اقتصادية سودانية لم نحسن استثمارها
أخطر خسارة اقتصادية في السودان ليست مصنعًا دُمّر، ولا طريقًا انهار، ولا مليار دولار خرج من الخزانة؛ الأخطر أن نملك عقلًا قادرًا على صناعة القيمة، ثم نتركه خارج معادلة القرار.
وهنا أتساءل: كم عقلًا سودانيًا خسرناه لأننا لم نعرف قيمته قبل أن نخسره؟
الدكتورة أميرة الفاضل تضعنا أمام هذا السؤال المؤلم.
ففي الاقتصاد، لا تُقاس الثروة بما نملكه فقط، بل بما نستطيع أن ننتجه به. والخبرة المتراكمة ليست سيرة ذاتية تُحفظ في ملف؛ إنها رأس مال بشري له عائد اقتصادي، وعندما نهدره ندفع تكلفة فرصة بديلة لا تظهر في أي بند من بنود الموازنة.
الدكتورة أميرة ليست مجرد صاحبة مناصب سابقة؛ فقد تولت مسؤوليات حكومية وبرلمانية، ثم شغلت منصب مفوضة الشؤون الاجتماعية في الاتحاد الأفريقي، وارتبط عملها بملفات العمل والهجرة والمهارات والحماية الاجتماعية وإحصاءات العمالة والسياسات القائمة على الأدلة.
وأرى أن السؤال الحقيقي ليس: كم منصبًا شغلت؟ بل: كم سنة من الخبرة والمعرفة والعلاقات المؤسسية راكمت؟ وكم يمكن لهذه الخبرة أن تضيف إلى اقتصاد يبحث عن طريق للخروج من أزمته؟
نحن في الاقتصاد نعرف أن سوء تخصيص الموارد يخفض الإنتاجية ويضعف الناتج المحتمل ويرفع تكلفة القرار. وإذا كان المال موردًا، فالإنسان هو المورد الذي يصنع بقية الموارد.
أما الموازنة العامة، فليست جدولًا باردًا للإيرادات والمصروفات؛ إنها قرار بشأن من نُمكّن، وأين نُنفق، وما العائد الذي ننتظره. وعندما تُوضع الكفاءة في المكان الخطأ، فإننا لا نهدر وظيفة فقط؛ نهدر جزءًا من الناتج الذي كان يمكن أن يتحقق.
وهنا أسأل: كم عجزًا في الموازنة سببه المال، وكم منه سببه سوء تخصيص الموارد والكفاءات؟
وفي ميزان المدفوعات، تصبح الصورة أكثر قسوة. فهجرة الكفاءات ليست مجرد خروج أيدٍ عاملة؛ إنها خروج معرفة وخبرة، لكنها يمكن أن تتحول أيضًا إلى تحويلات واستثمار ونقل معرفة وشبكات اقتصادية إذا امتلكت الدولة سياسة تسترد جزءًا من قيمتها.
وقد ارتبط عمل الدكتورة أميرة أفريقيًا بملفات الهجرة والمهارات وإحصاءات العمالة والسياسات القائمة على الأدلة، وهي ملفات تمس قلب هذه المعادلة.
ثم يأتي الاقتصاد القياسي ليطرح السؤال الذي لا يستطيع الهروب منه أحد: أين البيانات التي تقيس ما خسره السودان من هجرة كفاءاته، وما يمكن أن يسترده من تحويلاتها ومعارفها واستثماراتها؟
لذلك فإن تجربة الدكتورة أميرة الفاضل تستحق أن تكون حاضرة في النقاش المؤسسي حول قيادة المرحلة التنفيذية، بما في ذلك رئاسة مجلس الوزراء؛ ليس باعتبار المنصب مكافأة، وإنما باعتبار الخبرة أصلًا وطنيًا يجب قياس عائده وقدرته على إنتاج نتائج.
وأقولها بوضوح: الدولة التي تهدر كفاءتها ثم تنفق المليارات على إعادة بناء مؤسساتها، تدفع ثمن الخطأ مرتين.
مرة عندما تهدر الإنسان، ومرة عندما تحاول تعويض ما كان يمكن أن يصنعه.
وهنا السؤال الذي يلخص الوجع الاقتصادي كله: إذا كنا لا نعرف قيمة الإنسان الذي يستطيع أن يصنع الثروة، فكيف سنعرف كيف نخصص مليارات إعادة الإعمار؟
بصيرتي برس.. بصيرة الوطن