الرأي والمقالات

أوتار حساسة… لا تقترب

عباس الماحي يكتب عن الأوتار الحساسة في الإنسان، وكيف تتحول المعرفة بمواطن الألم إلى اختبار حقيقي للأخلاق والرحمة

عباس الماحى

نقطة سطر جديد

أوتار حساسة… لا تقترب

في الموسيقى، الوتر ليس مجرد جسم رفيع مشدود على آلة موسيقية، وإنما هو جزء أساسي من منظومة دقيقة يتولّد منها الصوت حين يهتز الوتر بترددات معينة، فتتحول حركته إلى نغمة تصل إلى آذاننا، وقد تتجاوزها أحيانًا لتصل إلى أماكن أبعد بكثير… إلى الذاكرة والشعور.

والوتر الموسيقي، في أبسط صوره، هو جسم مرن مشدود على آلة وترية، مثل العود والكمان والقانون والجيتار. يهتز عند النقر عليه، أو تمرير القوس عليه، أو العزف عليه بطريقة معينة، فتنتج عنه نغمة تختلف في حدتها وقوتها باختلاف طول الوتر وسمكه ودرجة شده وطريقة اهتزازه.

لكن الموسيقى لا تقوم على وجود الأوتار وحدها؛ فالعازف هو من يعرف كيف يتعامل معها، ومتى يلمسها، وبأي قوة، ومتى يترك بينها وبين لمسها مساحة يتنفس فيها اللحن.

وهناك أوتار أخرى لا نراها، لكنها أكثر حساسية من أوتار الآلات؛ إنها الأحبال الصوتية، وهي زوج من الطيات المرنة التي تتكون من أنسجة وألياف عضلية، وتقع داخل الحنجرة فوق القصبة الهوائية. وعندما يمر الهواء الخارج من الرئتين بينها، تهتز بطريقة منتظمة فتنتج الصوت، بينما تتغير درجة انفتاحها وطريقة اهتزازها بحسب ما إذا كنا نتنفس أو نتحدث أو نغني أو نبتلع.

وهكذا، سواء تعلق الأمر بوتر موسيقي يصنع نغمة، أو بأحبال صوتية تصنع كلمة، فإن الفكرة واحدة في جوهرها: هناك أشياء دقيقة لا تعطي أجمل ما فيها إلا حين نتعامل معها برفق ومعرفة.

ولعل الإنسان يشبه الموسيقى أكثر مما نظن.

ففي داخل كل واحد منا أوتار حساسة، لا يراها الآخرون، ولا يعرفون أين تمتد، لكنها موجودة. أوتار صنعتها التجارب، والذكريات، والفقد، والخذلان، والحب، والخوف، والانتظار، والأحلام التي لم تكتمل.

قد يبدو الإنسان أمامك قويًا ومتماسكًا، معتادًا على الحياة، وقد تراه يضحك ويتحدث ويمزح مع من حوله وكأن شيئًا لا يؤلمه، لكنه يحمل في داخله نغمات إذا لامستها يد غير رفيقة، أوجعته أكثر مما تتصور.

في الموسيقى أوتار لا تحتاج إلى كثير من العزف كي تحرك فينا شيئًا عميقًا. يكفي أن تلامسها أنامل العازف برفق حتى تتسلل نغمتها إلى أماكن خفية في الروح؛ فتستدعي ذكرى، أو توقظ حنينًا، أو تفتح بابًا أغلقناه منذ زمن.

وربما لهذا السبب قد تكفي نغمة واحدة كي تتغير ملامحنا، وقد يعيد لحن قديم إلى الذاكرة شخصًا غاب منذ سنوات، أو مكانًا لم نعد إليه، أو زمنًا كنا نظنه قد انتهى، فتتقلب المواجع.

بعض الألحان لا نسمعها بآذاننا فقط، بل نشعر بها في القلب؛ ولهذا قد تعزف نغمة واحدة فتلهب المشاعر، وتفيض العينان بالدموع دون أن نعرف كيف حدث ذلك.

وكذلك بعض الكلمات.

فكلمة في نظر قائلها قد تكون في قلب سامعها شيئًا آخر تمامًا. وقد تكون جملة قيلت على سبيل المزاح، لكنها لامست جرحًا قديمًا لم يكن صاحبها مستعدًا لأن يتذكره. وربما سألنا شخصًا سؤالًا نراه بسيطًا، فوجدناه يتغير فجأة، أو يصمت، أو يبتعد، دون أن نفهم لماذا.

والسبب أننا لا نرى دائمًا الأوتار التي نلمسها.

هناك أشخاص يحملون في داخلهم تاريخًا كاملًا من الألم، ولا يخبروننا عنه. وهناك من تعلموا مع الوقت أن يخفوا ضعفهم جيدًا، حتى أصبح الآخرون يظنون أنهم لا يتألمون.

قد ترى شخصًا شديد الحساسية فتصفه بالمبالغة، ولا تعرف أنه عاش طويلًا وهو يحاول أن يحمي قلبه من الألم.

وقد ترى آخر صامتًا فتظنه باردًا، بينما هو في الواقع يخوض داخله معركة لا يريد لأحد أن يسمع صوتها.

وقد ترى شخصًا يبتعد فجأة، فتتهمه بالتغير، في حين كان يحاول فقط أن يحفظ ما تبقى منه.

وقد تضحك على رد فعل إنسان في موقف ما، دون أن تعرف أن ذلك الموقف تحديدًا لمس وترًا ظل يؤلمه لسنوات.

لهذا، ليست كل الحقيقة التي نعرفها عن الآخرين هي الحقيقة كاملة.

نحن نرى الواجهة، ولا نرى دائمًا ما وراءها.

نسمع الكلمات، ولا نسمع ما تركته الكلمات في نفوس أصحابها.

نرى التصرف، ولا نعرف القصة التي سبقته.

ولهذا فإن التعامل مع البشر يحتاج إلى شيء أكبر من حسن النية؛ يحتاج إلى الانتباه.

فليس المهم ماذا قصدنا، وإنما ماذا تركنا خلفنا.

قد تقول: «لم أقصد أن أؤذيك»، وتكون صادقًا تمامًا، لكن عدم قصد الأذى لا يعني بالضرورة عدم وقوعه.

في الموسيقى، لا يكفي أن تكون يد العازف قوية؛ بل يجب أن تكون لها معرفة وخبرة بموضع الوتر، وبدرجة الشد، وبالقوة التي يحتاجها حتى يصدر صوته الجميل دون أن ينقطع.

وكذلك العلاقات الإنسانية.

ليست الحكمة في أن تقول كل ما تعرف، ولا الشجاعة في أن تواجه الآخرين بكل ما تراه فيهم، ولا الصراحة أن تلقي الحقيقة في وجوه الناس بالطريقة التي تخطر في بالك.

هناك فرق كبير بين الصراحة والقسوة، وبين النصيحة والإهانة، وبين المزاح والاستخفاف، وبين السؤال الفضولي والاهتمام الصادق.

أن تقول الحقيقة لا يعني أن تقولها بالطريقة التي تؤلم.

وأن تكون صريحًا لا يمنحك الحق في أن تكون جارحًا.

فالكلمة يمكن أن تكون دواءً، ويمكن أن تكون جرحًا، والفرق في كثير من الأحيان ليس في الكلمة نفسها، وإنما في الطريقة والتوقيت والنية والمقام.

العازف الماهر لا يثبت براعته بكثرة الضرب على الأوتار، وإنما يعرف متى يعزف، ومتى يهدأ، ومتى يترك للصمت مساحة في المقطوعة.

وكذلك الإنسان الحكيم.

لا يقتحم مشاعر الآخرين بلا انتباه؛ فهناك كلمات تشبه الأصابع حين تلامس وترًا حساسًا.

يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت.

متى يسأل، ومتى يحترم خصوصية الآخر.

متى يقدم النصيحة، ومتى يكتفي بالحضور.

ومتى يمد يده، ومتى يفهم أن أفضل ما يمكن أن يقدمه للآخر هو ألا يضغط على جرحه.

فليست كل لحظة تحتاج إلى تعليق، ولا كل خطأ يحتاج إلى فضح، ولا كل ضعف يحتاج إلى تفسير، ولا كل سر يحتاج إلى سؤال.

بعض الأشياء في الآخرين يجب أن تبقى في منطقة الاحترام.

قد تعرف موضع الوجع، لكن ليس من حقك أن تضغط عليه لتتأكد أنه ما زال يؤلم.

وقد تعرف نقطة ضعف شخص ما، لكن أخلاقك ومعدنك يظهران حين تستطيع استخدامها ضده، ثم تختار ألا تفعل.

وقد يمنحك أحدهم ثقته ويخبرك بما يؤلمه، فلا تجعل من اعترافه سلاحًا تستخدمه يومًا في خصومة.

فالإنسان حين يفتح لك قلبه لا يمنحك معلومة، بل يمنحك ثقته ويحمّلك أمانة.

والأمانة ليست فيما تحفظه من أسرار فحسب، وإنما فيما تمتنع عن فعله أيضًا.

أن تعرف شيئًا تستطيع به أن تؤذي شخصًا، ثم تختار ألا تستخدمه؛ “تلك أخلاق”.

أن تعرف أين يتألم إنسان، ثم لا تجعل ذلك الموضع هدفًا لك في لحظة غضب؛ “تلك رحمة”.

أن تتذكر أن الشخص الذي أمامك ليس مجرد موقف ولحظة في يومك، وإنما إنسان له ذاكرة وتجارب ومخاوف لا تعرفها كلها؛ “تلك حكمة”.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من الموسيقى هو أن الجمال لا يأتي من الصوت وحده، وإنما من حسن العزف والإحساس بنغماته.

فالأوتار نفسها قد تصنع لحنًا عذبًا على يد موسيقي يعرف كيف يتعامل معها، وقد تتحول إلى أصوات مزعجة ومؤلمة على يد شخص لا يعرف كيف يلمسها.

وهكذا نحن في حياة بعضنا بعضًا.

قد نكون لحنًا جميلًا في حياة إنسان، بكلمة طيبة، أو موقف نبيل، أو حضور عند الحاجة في الوقت المناسب، أو حتى بهدوئنا الذي يمنح شخصًا مساحة ليلتقط أنفاسه.

وقد نكون، دون أن نشعر، سببًا في جرح لا يلتئم بسهولة.

وقد لا نتذكر نحن الكلمة التي قلناها، بينما يظل الطرف الآخر يتذكرها سنوات.

ليس لأننا كنا نقصد الأذى، بل لأننا ربما لمسنا وترًا حساسًا لم نكن نعرف بوجوده.

لذلك، قبل أن تقترب من إنسان، تذكّر أنه ليس كتابًا مفتوحًا أمامك.

ليس مطلوبًا منك أن تعرف كل أوتاره، لكن المطلوب أن تحترم وجودها.

وإذا عرفت منها شيئًا، فلا تعزف عليه إلا بحنان.

لا تستخدم ما عرفته عنه في لحظة غضب.

لا تجعل سره مادة للحديث.

لا تجعل ضعفه نكتة.

ولا تحوّل اعترافه إليك إلى سلاح يمكن أن ترفعه عليه عندما تختلفان.

فبعض الأوتار لا تحتمل العبث.

وبعض القلوب، مهما بدت قوية، يكفي أن تلمس موضعًا قديمًا فيها حتى يخرج منها كل ما حاولت سنوات أن تخفيه، وتنهمر الدموع.

كن رحيمًا في اقترابك، لطيفًا في كلماتك، حكيمًا في مزاحك، أمينًا على أسرار الآخرين.

وتذكّر دائمًا أن الإنسان الذي أمامك يحمل موسيقاه الخاصة؛ منها ما هو فرح، ومنها ما هو حزن، ومنها ألحان لم يسمعها أحد.

قد لا تعرف كم مرة اضطر إلى أن يجمع نفسه بعد أن انكسر.

وقد لا تعرف كم مرة ابتسم وهو يريد البكاء.

وقد لا تعرف كم من الأشياء تجاوزها بصمت، وكم من الأبواب أغلقها كي يستطيع الاستمرار.

فلا تظن أن ما لا تراه غير موجود.

هناك أشياء في الإنسان لا تظهر إلا حين يقترب منها أحدهم بطريقة خاطئة.

ولهذا، ليس مطلوبًا منك أن تصل إلى أعماق كل من حولك، ولا أن تعرف أسرارهم كلها، ولا أن تفسر صمتهم.

يكفي أحيانًا أن تكون آمنًا.

أن يكون وجودك في حياة الآخرين مساحة لا يخافون فيها من الحكم عليهم، ولا يخشون أن تتحول نقاط ضعفهم إلى أسلحة في يدك.

فأجمل العلاقات ليست تلك التي نعرف فيها كل شيء عن بعضنا، وإنما تلك التي نعرف فيها الكثير، ومع ذلك نحسن الصمت.

وإذا لم تعرف كيف تعزف على وتر قلبه، فلا بأس…

يكفي ألا تؤذيه.

ففي زمن تكثر فيه الضوضاء، ربما يكون أجمل ما نهديه لبعضنا هو أن نكون صوتًا هادئًا.

أن نمر في حياة الآخرين كما يمر اللحن الجميل: نترك أثرًا دافئًا، دون أن نترك جرحًا.

لكن ربما هناك ما هو أعمق من ذلك كله:

أن الأخلاق لا تظهر حين نتعامل مع من لا نعرف عنهم شيئًا، بل حين نعرف عنهم ما يؤلمهم، ثم نختار ـ رغم قدرتنا ـ ألا نؤلمهم به.

فليس كل ما عرفناه عن الآخرين حقًّا لنا، وليس كل ما استطعنا قوله وجب علينا قوله، وليس كل باب فُتح لنا وجب أن ندخله.

بعض القلوب لا تحتاج إلى من يبحث في ندوبها، وإنما إلى من يحسن الوقوف عند حدودها.

وبعض العلاقات لا يحفظها كثرة الكلام، بل يحفظها الأمان.

وبعض الناس لن يتذكروا كل ما قلته لهم، لكنهم سيتذكرون طويلًا كيف جعلتهم يشعرون وهم بالقرب منك.

فكن ممن إذا ائتمنه أحد على ضعفه، صانه.

وإذا عرف موضع ألمه، لم يقترب منه بسوء.

وإذا غضب، لم يستخرج أسراره من ذاكرته ليجعله ينزف.

وإذا اختلف، لم يحوّل ما عرفه في لحظة ثقة إلى سلاح في لحظة خصومة.

تعلّم أن تكون عازفًا رقيقًا في حياة من حولك.

لا تضرب الأوتار لمجرد أنك تستطيع.

ولا ترفع صوتك لمجرد أن صوتك مسموع.

ولا تقترب من الجراح لمجرد أنك عرفت مكانها.

فالحياة ليست مسابقة في كشف نقاط ضعف الآخرين، وإنما اختبار في قدرتنا على احترامها.

وربما لا نستطيع أن نمنع الألم عن كل من نحب، ولا أن نعرف جميع الأوتار المختبئة في قلوبهم، لكننا نستطيع أن نختار شيئًا واحدًا بسيطًا وعظيمًا:

ألا نكون نحن الألم الذي كانوا يحاولون النجاة منه.

فإذا عرفت وترًا حساسًا في قلب إنسان، فلا تقترب منه إلا بنية الرحمة.

وإذا لم تعرف كيف تعزف على قلبه، فلا بأس…

اتركه في سلام.

لأن بعض الأوتار لا تحتاج إلى عازف، وإنما تحتاج فقط إلى يدٍ لا تقطعها.

وبعض القلوب لا تحتاج إلى من يصل إلى أعماقها، وإنما إلى من يعرف أن لها أعماقًا، فيحترمها ولا يتسبب في كسرها.

فكن في حياة الآخرين لحنًا يُطمئن، لا ضوضاء تُربك، ودفئًا يُرمم، لا قسوةً تُعمّق الجرح.

وإذا مررت يومًا بقلبٍ مثقل، فلا تسأل نفسك أولًا: أين نقطة ضعفه؟

اسأل: كيف أمرّ من هنا دون أن أؤذيه؟

فأجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه ليس عدد الكلمات التي قالها، ولا عدد المواقف التي انتصر فيها، وإنما عدد القلوب التي مرت به وخرجت منه أكثر طمأنينة.

أوتارٌ حساسة… فلا تقترب منها إلا بحنان.

وإن اقتربت، فكن جديرًا بالنغمة التي ائتمنتك عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى