حذف الأصفار من الجنيه السوداني… هل نُصلح الجنيه أم نُخفي جراح الاقتصاد؟!
قراءة اقتصادية للدكتور محجوب هجّانة حول مقترح حذف ثلاثة أصفار من الجنيه السوداني ومستقبل الاستقرار النقدي
حذف الأصفار من الجنيه السوداني… هل نُصلح الجنيه أم نُخفي جراح الاقتصاد؟!
في قراءة اقتصادية مع البروفيسور محجوب هجّانة
الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي
تعليقًا على المقال المنشور حول مقترح حذف ثلاثة أصفار من الجنيه السوداني، فإن القضية تستحق قراءة تتجاوز الشكل الاسمي للعملة إلى محددات قيمتها الحقيقية واستقرارها النقدي.
الألف يصبح جنيهًا واحدًا! قد يبدو الأمر للوهلة الأولى إصلاحًا نقديًا جذريًا، لكن السؤال الاقتصادي الأهم: هل تغيير وحدة القياس النقدي قادر على تغيير القيمة الحقيقية للاقتصاد، أم أننا نعالج أعراض الأزمة بينما تظل أسبابها قائمة؟
من منظور الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي، حذف الأصفار هو إعادة ترقيم نقدي وليس خلقًا لقيمة اقتصادية جديدة. فإذا تغيرت الأسعار والأجور والمدخرات والالتزامات بالنسبة نفسها، فلن تتغير القوة الشرائية الحقيقية. لقد تغير المتغير الاسمي، بينما بقيت الأساسيات الاقتصادية كما هي.
المشكلة السودانية تكمن في اختلالات هيكلية ونقدية ومالية عميقة. فالحرب أحدثت صدمة عرض وانكماشًا في الناتج الحقيقي، وأضعفت الطاقة الإنتاجية، ودمرت رأس المال المادي، واستنزفت رأس المال البشري والكفاءات.
وفي القطاع الخارجي، أدى ضعف الصادرات، وشح النقد الأجنبي، واختلال ميزان المدفوعات، وتدهور سعر الصرف إلى زيادة الضغوط على الجنيه، بينما أدى اتساع الاقتصاد غير الرسمي إلى إضعاف فعالية السياسات الاقتصادية.
أما نقديًا، فإن توسع السيولة، وارتفاع التوقعات التضخمية، وتراجع الطلب على العملة الوطنية، واتساع الدولرة تؤسس لحلقة تغذية راجعة بين التضخم وسعر الصرف وفقدان الثقة.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تفتقر السياسة الاقتصادية إلى مرساة نقدية ومالية واضحة، أو عندما تتعارض أدوات السياسة النقدية مع متطلبات المالية العامة. فاستقرار الأسعار يحتاج إلى مصداقية مؤسسية، وانضباط مالي، وفعالية السياسة النقدية، وتناسق بين السياسات الاقتصادية.
وهنا السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع السياسة:
«إذا حذفنا الأصفار ولم نحذف أسباب التضخم، فمن سيمنع الاقتصاد من إنتاج أصفار جديدة؟!»
قد تحقق إعادة ترقيم العملة فوائد محاسبية ومصرفية ورقمية وتخفض تكلفة التعامل مع الأرقام الكبيرة، لكنها ليست علاجًا سببيًا للتضخم، ولا بديلًا عن برنامج متكامل للاستقرار الاقتصادي الكلي.
الإصلاح الحقيقي يبدأ بـوقف الحرب، واستعادة الإنتاج، وضبط السيولة، وإصلاح المالية العامة، وتحقيق الانضباط النقدي، ورفع الإنتاجية، وتنشيط الصادرات، وتحسين تدفقات النقد الأجنبي، وإعادة بناء رأس المال البشري، وتعزيز مصداقية المؤسسات والسياسة النقدية.
حذف الأصفار قد يغيّر وحدة القياس، لكنه لا يغيّر دالة الإنتاج، ولا يرفع الناتج الحقيقي، ولا يعيد القوة الشرائية.
ويبقى السؤال الأكثر إحراجًا:
«إذا كان الاقتصاد عاجزًا عن حماية قيمة الجنيه، فهل المشكلة فعلًا في الأصفار… أم أن الأصفار أصبحت مجرد شاهد على اختلالات السياسات الاقتصادية؟!»
فالعملة لا تستعيد قيمتها بحذف أصفارها، وإنما باستعادة قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها.
حذف الأصفار… هل نُصلح الجنيه أم نُخفي جراح الاقتصاد؟!
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك
تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب