عباس الماحى في نقطة سطر جديد يكتب :رحلة إلى جزر الواق واق


عباس الماحى
نقطة سطر جديد
منذ صغري، كانت جزر الواق واق تسكن مخيلتي أكثر مما تسكن كتب التراث.
قرأت عنها في الحكايات العربية القديمة، وعلمت أنها جزيرة أسطورية، ولغزًا يزين صفحات التراث العربي، واسمًا يثير فضول الرحالة والحالمين…ويُقال إن قدم إنسان لم تطأها، ولم ترسمها خرائط البحارة، وبقيت رمزًا لكل ما هو بعيد عن متناول الإنسان.
وكنت كثيرًا ما أتساءل: هل هي مكان ضائع في أقصى البحار المجهولة، أم أنها عالم لا يصل إليه إلا من حمل في قلبه شيئًا لا يملكه كثير من الناس؟
جاءت الإجابة في ليلة لم تكن كسائر الليالي.
كان ذلك بعد يوم شعرت فيه براحة لم أعرفها منذ زمن. شاركت في عدد من المبادرات الإنسانية التي جمعتني بأشخاص تركوا في نفسي أثرًا عميقًا؛ التقيت بذوي الاحتياجات الخاصة، وجلست مع المكفوفين الذين رأيت في بصيرتهم نورًا يفوق نور الأبصار، وأسهمت في ورش تهدف إلى التخفيف عن مرضى السرطان، ومرضى الكلى، والسكري، وغيرهم من أصحاب الأمراض المزمنة.
وفي نهاية ذلك اليوم، أدركت أن العطاء يمنح صاحبه أكثر مما يمنح من يتلقاه.
عدت إلى منزلي، ولم أجد في قلبي ضغينة على أحد. سامحت من أساء إليّ، ودعوت لمن اختلفت معه بالخير والهداية، وحمدت الله على نعمه التي لا تُحصى. توضأت، وصليت ما تيسر لي، ثم توسدت وسادتي وأنا أشعر بسكينة عجيبة، وما هي إلا لحظات حتى غلبني النوم.
رأيتني على متن سفينة صنعتها الأحلام، أبحرت بعيدًا عن الموانئ المعروفة، تشق بحرًا لا يشبه بحار الدنيا…
كانت الأمواج هادئة كقطع من الفضة تتمايل، وكأنها ترسم خط السير وتفسح الطريق، والنجوم تضيء السماء بنور صافٍ، والنسيم يحمل عبيرًا لم أعرف له مثيلًا. وكلما ابتعدت السفينة، اختفت معالم العالم الذي أعرفه، حتى لم يبق حولي سوى البحر والأفق.
وبعد رحلة بدت وكأنها خارج حدود الزمن، انقشع الضباب، وما إن اقتربت من شواطئها حتى أدركت أنني لم أغادر إلى عالم آخر فحسب، بل انتقلت إلى صورة من الجمال لا تشبه ما عرفه البشر.
ظهرت أمامي جزر وطبيعة مختلفتان في كل شيء. لم تكن الأشجار كأشجارنا، ولا الأزهار كأزهارنا، ولا الألوان مما اعتادت عليه أعيننا… أغصانها تتلألأ كأنها نُسجت من الضوء، وأوراقها تلمع بألوان لا تعرفها لغات البشر، وحتى الأنهار لا تشبه تلك التي تجري في أوطاننا؛ تنساب في صفاء حتى يُخيَّل للناظر أنها مرايا تعكس نور السماء، وعالمًا آخر تحت سطح الماء…وكان النسيم يحمل عطرًا ليس كعطور الأرض، أما الطيور فكانت تملأ الفضاء بأصوات تبعث السكينة في القلب قبل أن تبلغ الأذن، وكأن تغريدها تسبيح لا ينقطع.
وفي قلب الجزيرة وقفت شجرة عظيمة تتدلى منها ثمار عجيبة تلمع كالجواهر، وتفوح منها روائح تشبه مزيجًا من العنبر والياسمين. فإذا هبت الريح، سمعت أصواتًا رقيقة تردد: «واق… واق…»، فعلمت أنني بلغت الجزيرة التي حيّرت الخيال العربي عبر القرون، حتى أصبحت رمزًا لكل ما يعجز العقل عن بلوغه.
لكن أعظم ما رأيت لم يكن الطبيعة، بل الإنسان.
كان سكان الواق واق على قدر من الجمال والوقار يعجز الوصف عن الإحاطة به، فحسبتهم ملائكة تمشي على الأرض. كانت وجوههم يكسوها نور الطمأنينة، وملامحهم تعكس صفاء النفوس، حتى يُخيَّل إليك أن الأرواح هي التي أضاءت الوجوه؛ جمالًا يعجز اللسان عن وصفه. كانوا يستقبلون القادم بابتسامة صادقة، وسلام يبعث الأنس قبل أن ينطقوا بكلمة أخرى.
وحين تحدثوا إليّ، ازدادت دهشتي.
كانوا يتكلمون العربية بطلاقة، عربية فصيحة رقيقة، تتدفق كلماتها كحبات اللؤلؤ. لم أسمع بينهم كلمة جارحة، ولا غيبة، ولا نميمة، ولا لغوًا لا فائدة منه، بل كان حديثهم ذكرًا لله، أو حكمة، أو دعاء، أو مواساة، أو كلمة طيبة تشرح الصدر. هنا أدركت أن اللغة قد تكون عبادة إذا طهرت الألسنة.
وسألت أحدهم:
«أين قصركم الكبير؟ وأين مقر الحاكم؟»
ابتسم في هدوء وقال:
«ليس بيننا حاكم من البشر، فملكنا رب العالمين.»
ثم أضاف:
«كل واحد منا مسؤول عن نفسه أمام الله، فلا نطلب سلطانًا على غيرنا، ولا نتنافس على كرسي أو جاه.»
طفت في أرجاء الجزيرة، فلم أر قصرًا للحكم، ولا حراسًا، ولا سجونًا، ولا محاكم. فسألتهم:
«وكيف تفصلون في الخصومات؟»
قال أحد شيوخهم:
«إذا امتلأت القلوب بتقوى الله، ضاقت فيها مساحة الظلم.»
عندها أدركت أن المحاكم لا تغيب لأن القوانين ناقصة، بل لأن العدل أصبح خُلُقًا يعيش في النفوس.
علمت أن دينهم الإسلام، وأنهم يتبعون أوامر الله ويجتنبون نواهيه، لا رياءً ولا خوفًا من الناس، وإنما حبًا لله ورغبة في رضاه. لا يقيم بينهم إلا من عرف قيمة التقوى، وزهد في زخارف الدنيا، وجعل الحمد رفيقًا ليومه، والتسبيح أنيسًا لليله، والشكر عنوانًا لحياته.
ولا ترى فيهم فقيرًا تُرك لحاجته، ولا مريضًا تُرك وحيدًا في ألمه، ولا ضعيفًا خذله الناس. يتسابقون إلى فعل الخير، ويتعاونون في حمل أعباء بعضهم بعضًا، حتى أصبح الإحسان عندهم عادة، والرحمة أسلوب حياة.
ولم يكن أحد منهم يفاخر بمال، أو نسب، أو منصب. كانوا جميعًا أمراء بأخلاقهم، وأميرات بعفافهن وكرامتهن، أغنياء بما في قلوبهم لا بما في أيديهم، لأنهم أيقنوا أن الكرامة الحقيقية يمنحها الله لعباده الصالحين.
أقمت بينهم زمنًا لا أعرف مقداره، وشعرت أن الأيام هناك لا تُقاس بالساعات، بل بما يمتلئ به القلب من طمأنينة. وكلما هممت بسؤال، وجدت الجواب في سلوكهم قبل كلماتهم.
وحين حان وقت الرحيل، وقفت على الشاطئ أنظر إلى تلك الجزر التي بدت وكأنها قطعة من عالم آخر، وسألت شيخًا وقورًا:
«هل أستطيع أن أعود إليكم يومًا؟»
ابتسم وقال:
«الواق واق ليست جزيرة يعثر عليها من يجيد الإبحار، بل هي حالة يبلغها من صفا قلبه، وأخلص عمله، وأحب الخير لعباد الله.»
استيقظت مع أول خيوط الفجر.
فتحت عيني، فلم أجد سفينة، ولا بحرًا، ولا جزرًا أسطورية. لكنني وجدت في نفسي سكينة لم أعرفها من قبل، ويقينًا بأن الرحلة لم تكن إلى مكان، بل إلى معنى.
ولعل جزر الواق واق لم تكن يومًا بقعة على وجه الأرض، وإنما رسالة رمزية تقول إن الإنسان، كلما طهّر قلبه من الحقد، وأخلص في عبادة ربه، وأحسن إلى الناس، واقترب من المحتاج، ومسح دمعة مريض، وأدخل السرور على ضعيف، اقترب من ذلك العالم الذي نحلم به جميعًا.
عندها أدركت أن أجمل رحلة لا تبدأ من ميناء، ولا تنتهي عند شاطئ، وإنما تبدأ من قلب متسامح، وروح عامرة بالإيمان، وعمل صالح يبتغي به الإنسان وجه الله…
فمن سلك هذا الطريق، حمل في داخله شيئًا من الواق واق، وإن لم يرها بعينيه، لأن بعض الجنان لا تدركها الأبصار، وإنما تعرفها القلوب.
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/
