عباس الماحى يكتب :كل من اكتفى اختفى

عباس الماحى
نقطة سطر جديد
تتردد على الألسنة مقولة: «كل من اكتفى اختفى»، وكأنها تختصر جانبًا من واقع الروابط الإنسانية التي نعيشها اليوم.
وهي عبارة تعكس حقيقةً مؤلمةً، رضينا أم أبينا، وتلامس وجعًا يسكن نفوس كثيرين حين يكتشفون أن أشخاصًا كانوا يومًا جزءًا من تفاصيل حياتهم، ثم تلاشى حضورهم تدريجيًا بمجرد أن انتهت حاجتهم أو تحققت غايتهم.
غير أن العلاقات الإنسانية ليست قالبًا واحدًا، ولا تُوزن جميعها بالميزان نفسه… فهناك من يرحل لأنه اكتفى، وهناك من يرحل لأنه استنفد طاقته، وهناك من يبتعد لأن الظروف غلبته، وهناك من يصمت لأن في الصمت كلامًا، وكرامته أبت أن تجعل العتاب عادة، وهناك من حالت بينه وبين من يحب ظروفٌ أقوى من إرادته، ومسافات الحياة وتقلباتها. لذلك تبقى هذه المقولة وصفًا لواقع يتكرر كثيرًا، لكنها ليست حكمًا نهائيًا على كل علاقة، وليست قاعدةً مطلقةً تنطبق على الجميع.
ويقال:
كلُّ من اكتفى اختفى،
ولو كان محبًّا لبقي،
ولو كان معاتبًا لحكى،
ولو كان مشتاقًا لأتى.
وفي هذه الكلمات قدرٌ كثير من الصدق؛ فالمحبة ليست حديثًا، ولا وعودًا براقةً تُطلق، وإنما مواقف تثبتها الأيام وتُختبر عند الشدائد… فمن أحب بصدق لا يجعل الغياب لغته، بل يبحث عن نافذة للحوار، لأن العتاب في العلاقات الصادقة ليس إعلانًا للنهاية، وإنما محاولة لإنقاذ ما تبقى من الود.
أما الشوق فلا يطيل الغياب، ولا يستسلم للكبرياء، بل يدفع صاحبه إلى السؤال والاقتراب مهما تباعدت المسافات.
فالإنسان لا يُقاس بكثرة حضوره، وإنما بصدق حضوره حين يحتاجه الآخرون.
غير أن المؤلم في واقعنا اليوم هو انتشار نمط من العلاقات يقوم على الاستغلال العاطفي، حيث يتحول الإنسان عند بعض النفوس إلى وسيلة لا غاية، وإلى محطة مؤقتة لا رفيق درب.
جلُّهم يقتربون عندما يحتاجون إلى الاهتمام، أو الدعم، أو الاحتواء، أو المنفعة، فإذا امتلأت فراغاتهم، أو تبدلت أولوياتهم، أو وجدوا مصلحةً أكبر، انسحبوا بهدوء، تاركين وراءهم قلوبًا مثقلةً بالحيرة والأسئلة، ونفوسًا تبحث عبثًا عن تفسير لذلك الرحيل.
وهؤلاء لا يسرقون المال، بل ينتزعون ما هو أثمن منه؛ يسلبون الطمأنينة، ويزعزعون الثقة، ويهدرون المشاعر، ويستنزفون طاقة الآخرين النفسية والمعنوية، ويتركون في الأرواح ندوبًا لا تراها العيون. يزرعون الأمل، ثم يتركون الخذلان يحصد ما زرعوه. يوزعون الوعود بسخاء، لكنهم يبخلون بالوفاء، ويجيدون فن الاقتراب عندما تكون لهم حاجة، ويبرعون أكثر في فن الاختفاء عندما تنتهي مصالحهم.
وأشد أنواع الفقد ألمًا أن تكتشف أن صدقك كان استثمارًا عند غيرك، لا قيمةً إنسانيةً في نظره.
وللأسف، أصبحت هذه السلوكيات أكثر حضورًا في زمن السرعة ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث بات تكوين العلاقات أسهل من المحافظة عليها، وأصبح إنهاؤها لا يحتاج سوى إلى ضغطة زر، أو تجاهل رسالة، أو إهمال يقتل كل فرصة للحوار. فاختلطت الصداقة بالمجاملة، والاهتمام بالمصلحة، والمودة بالمكاسب الشخصية، حتى أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين من يحبك لذاتك، ومن يقترب منك لما يحققه من منفعة.
إن أخطر ما في أصحاب المصالح أنهم لا يأتون بوجوههم الحقيقية، بل يرتدون أقنعة الود والإخلاص…يعرفون كيف ينتقون الكلمات التي تُلامس القلب، وكيف يصنعون شعورًا زائفًا بالأهمية، حتى يضمنوا استمرار وجودهم إلى أن يبلغوا غايتهم. وما إن تتحقق أهدافهم، حتى يبدأ حضورهم بالتلاشي شيئًا فشيئًا، وكأن كل ما مضى لم يكن سوى وسيلة للوصول.
وليس الألم في الرحيل ذاته، بل في اكتشاف أن المشاعر التي منحناها بصدق كانت عند الطرف الآخر مجرد جسرٍ يعبر عليه إلى مصلحته. عندها لا يخسر الإنسان شخصًا فقط، بل يفقد جزءًا من ثقته بالآخرين، ويصبح أكثر حذرًا في منح قلبه لمن يطرق بابه.
فليس كل من يقترب منك يريدك، فقد يريد ما تملكه، أو ما تستطيع أن تقدمه له.
ومع ذلك، يبقى من الإنصاف ألا نعمم الأحكام، فليس كل غياب خيانة، وليس كل ابتعاد دليلًا على انتهاء المحبة. فكم من إنسان أثقلته الحياة، أو أنهكته المسؤوليات، أو حاصرته الظروف، فغاب جسده وبقي قلبه حاضرًا. لذلك لا تُقاس العلاقات بكثرة الرسائل، وإنما بثبات المواقف، وصدق الحضور حين تثقلنا الأزمات.
فالعلاقة الناضجة لا تقوم على الأخذ وحده، وإنما على التوازن بين العطاء والتقدير، والاحترام المتبادل، والاحتواء عند الخلاف، والوفاء عند الرخاء، والصبر عند الفتور. ومن أحب بحق لا يختفي دون كلمة، ولا يرحل دون تفسير، لأنه يدرك أن للقلوب حرمة، وأن للمشاعر مسؤولية، وأن الصدق يقتضي الوضوح حتى عند الافتراق.
لقد علمتنا الحياة أن الروابط التي تُبنى على المنفعة تزول بزوال أسبابها، أما تلك التي تؤسس على الاحترام والإخلاص فإنها تصمد أمام الزمن، وتبقى رغم تقلب الأيام…فالمحبة الصادقة لا تنتهي بانتهاء المصلحة، ولا يطفئها البعد، ولا تهزمها الظروف، لأنها تنبع من القلب لا من حسابات المكسب والخسارة.
ويبقى السؤال: لماذا اختفى من اكتفى؟ لكن السؤال الأعمق هو: هل كان موجودًا من أجلنا حقًا، أم من أجل ما يريده منا؟ فبعض الأشخاص لا يغادرون حياتنا عندما تنطفئ مشاعرهم، بل يغادرون عندما تنتهي حاجتهم إلينا.
وهنا تكمن القضية الاجتماعية التي تؤرق كثيرًا من الناس؛ إذ لم يعد الخوف من فقدان العلاقات، بل من زيفها. ولم تعد المشكلة في الرحيل، بل في أولئك الذين يتقنون التمثيل حتى يظنهم الآخرون أوفياء، بينما هم لا يرون في البشر سوى درجات يصعدون عليها، أو جسورًا يعبرون فوقها إلى مصالحهم.
لذلك، لا تحزن على من اختفى بعد أن أخذ نصيبه من اهتمامك ووفائك، بل احمد الله أن كشف حقيقته قبل أن تمنحه ما هو أثمن. فالأشخاص العابرون يرحلون، أما أصحاب المبادئ فيتركون أثرًا لا يزول.
فالإنسان الأصيل لا يبقى لأنه محتاج، بل لأنه وفيٌّ، ولا يرحل لأنه اكتفى، بل يظل حاضرًا لأن الأخلاق عنده عهدٌ لا مصلحة، والمودة مسؤولية لا منفعة.
ولعل الأدق أن نقول: ليس كل من اكتفى اختفى، ولكن كل من كانت علاقته قائمةً على المنفعة انتهى حضوره بانتهاء سببها…ولا أسف على رحيل من لم يكن وفيًّا في حضوره. أما أصحاب القلوب الصادقة فيبقون، لأنهم لا يقيسون الناس بما يأخذونه منهم، بل بما يحملونه لهم من وفاء. فالوفاء لا يعرف الاكتفاء، والمحبة الصادقة لا يبررها الغياب، والإنسان الأصيل لا يختفي عندما تنتهي حاجته، بل يبقى وفيًّا لأن الأخلاق لا تنتهي بانتهاء المصالح…
فالمصالح تجمع الناس زمنًا، أما الأخلاق فتبقيهم عمرًا، والوفاء وحده هو الذي يمنح العلاقات قدرتها على البقاء، حتى عندما تتغير الظروف وتتبدل الأحوال.

لمتابعة كل جديد وحصري تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك https://www.facebook.com/share/1BkEuga8tA/