الرأي والمقالات

مسؤولية الكلمة في زمن الفراغ

مي علي آدم تكتب في كلمات واجبة

مسؤولية الكلمة في زمن الفراغ

في الآونة الأخيرة لم تعد المطالبة بالإقالة حبيسة “بوستات” السوشيال ميديا. انتقلت لتصبح عنواناً رئيسياً في مقالات رأي كاملة، يوقعها صحفيون معروفون بأسمائهم. شاهدنا مقالات تطالب بإقالة وزراء اتحاديين، وآخرين عن وكلاء وزارات، وحتى عن مسؤولين في مكتب رئيس الوزراء. من “أقيلوا الوالي” انتقلنا إلى “أقيلوا الحكومة”. وتحول القلم الذي كان من المفترض أن يكون مشرط جراح يكشف الداء، إلى منبر يصدر أحكام الإعدام السياسي.

حتى الآن لم تصل حملات الإقالة لرأس السلطة التنفيذية بشكل مباشر، لكنها طالت وزراء اتحاديين ومسؤولين كبار في وزارات حيوية، وامتدت لتصل دوائر القرار العليا.

والسؤال: لماذا وصلنا إلى هنا؟ السبب فراغ. فراغ مؤسسات، وفراغ برلمان، وفراغ ثقة. وعندما غاب من يحاسب، نصب الكاتب نفسه محاسباً وقاضياً وجلاداً. ولأن الإحباط الشعبي بلغ مداه، صار الحل الوحيد المقدم للقارئ هو “تغيير الشخص”. ولأن المقال الذي عنوانه “ارحل” يضمن تفاعلاً وقراءة أكثر من مقال عنوانه “تحليل أزمة”، اختار البعض الطريق الأسهل.

نعم، من حق الكاتب أن يغضب وأن يعرّي الفشل. ومن واجبه أن يضغط. لكن هل واجب المقال أن يُقيل؟ واجب المقال أن يسأل: لماذا فشلنا؟ وأين الخلل؟ وما هو البديل؟ ومن يملك الرؤية والخطة لإنقاذ البلد؟ عندما نختزل كل هذا في عنوان “أقيلوا فلان” نخسر معركتين. نخسر مهنة الصحافة ونحولها من سلطة رابعة تراقب إلى حزب سياسي معارض. ونخسر الدولة ونحولها إلى حكومة تعمل تحت تهديد المقال الأسبوعي، في حالة دفاع دائم عن وجودها بدل أن تفكر وتنجز. فأي كفاءة ستقبل أن تعمل في منصب وهي تعلم أن مصيرها قد يكون عنوان مقال بعد شهر؟

الوطن لا يُبنى بالإقالات. يُبنى بالمؤسسات. لا نريد صحافة تُسقط الحكومات بمقال. نريد صحافة تبني وعياً يُسقط الفشل. اكتبوا بالوثيقة، وحاسبوا بالرقم، وقدموا الحلول بالرؤية. أما “أقيلوه” وحدها كعنوان… فهي أسهل الكلمات، وأخطرها. لأن بعدها مباشرة سيأتي السؤال الذي نهرب منه: وبعدين؟ وإذا لم نملك إجابة، فسنظل ندور في حلقة مفرغة: مقال إقالة.. حكومة جديدة.. مقال إقالة جديدة. والخاسر الوحيد في النهاية هو السودان.

مي علي ادم... مسؤولية الكلمة في زمن الفراغ

شاركنا رأيك في التعليقات! لمناقشة هذا المقال ومتابعة أحدث المستجدات، تابعوا صفحتنا على فيسبوك:🔗 [https://www.facebook.com/share/1ENE3UVEEz/]

بصيرتي برس بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى