الرأي والمقالاتالرياضة

عباس الماحى نقطة سطر جديد… كسلا لوحة الجمال الرباني.. وموطن التعايش والمحبة

عباس الماحى نقطة سطر جديد كسلا لوحة الجمال الرباني

عباس الماحى
نقطة سطر جديد

كسلا لوحة الجمال الرباني
وموطن التعايش والمحبة

***************

حينما تُذكر كسلا، تتداعى إلى الأذهان صور الجمال الأخّاذ الذي وهبه الله لهذه المدينة الفريدة؛ جبال توتيل الشامخة التي تحتضن المدينة في هدوء وكبرياء، ونهر القاش الذي ينساب ليمنح الأرض حياةً ونماءً، والسواقي والخضرة التي تزين المكان وتمنحه رونقاً خاصاً…

لكن جمال كسلا لا يكمن في طبيعتها الساحرة فحسب، بل في إنسانها الطيب الذي صنع نموذجاً فريداً للتعايش والتآلف بين مختلف مكونات السودان.

فكسلا تمثل بحق سوداناً مصغراً، حيث تلتقي القبائل والثقافات والأعراق في محبة ووئام، لتقدم نموذجاً يُحتذى به في التعايش السلمي والتماسك الاجتماعي، بعيداً عن العصبيات الضيقة والجهويات البغيضة.

وفي هذه المدينة الجميلة، سعدت بقضاء يوم حافل في ضيافة الباشمهندس آدم محمد آدم جرنوس، رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة بولاية كسلا والوزير المكلّف، ذلك المسؤول الذي يقدم نموذجاً نادراً في التواضع وقربه من الناس. ففي زمن أصبح فيه التواضع عملة نادرة، يدهشك أن تجد مسؤولاً زاهداً في منصبه، يدرك أن الكراسي زائلة، وأن ما يبقى هو الأثر الطيب ومحبة الناس.

لقد وجدت في الباشمهندس جرنوس رجل مجتمع قبل أن يكون وزيراً، يستمع إلى المواطنين بمختلف فئاتهم، ويتعامل مع الجميع بروح الأب والأخ والصديق، ويؤمن بأن المنصب تكليف ومسؤولية لا تشريفاً أو مكانة. لذلك لم يكن مستغرباً أن يحظى بهذا القدر الكبير من الاحترام والمحبة وسط الشباب والرياضيين ومختلف شرائح المجتمع.

وخلال لقائنا دار الحديث حول قضايا الشباب والتحديات التي تواجههم، والرؤى المستقبلية الطموحة التي وضعها المجلس الأعلى للشباب والرياضة لمعالجة هذه القضايا… وقد تجلت هذه الرؤى بوضوح في المؤتمر الثاني لحل قضايا الشباب، الذي احتضنته مدينة كسلا مؤخراً بمشاركة ثماني عشرة ولاية، وحقق نجاحاً لافتاً أشاد به الجميع، باعتباره خطوة مهمة نحو إشراك الشباب في صناعة مستقبلهم وتمكينهم من أداء دورهم الوطني.

ومن بين القضايا المهمة التي طرحتها خلال لقائنا، ضرورة السعي لتشييد مركز متخصص لتأهيل وعلاج الإدمان بولاية كسلا، حتى نتمكن من انتشال شبابنا من مستنقع المخدرات، تلك الآفة الخطيرة التي تفتك بمستقبلهم، وتبدد طاقاتهم، وتهدد حاضرهم ومستقبل وطنهم… كما أكدت أهمية الاهتمام بالمراكز الشبابية ودعمها وتفعيل أنشطتها وبرامجها، باعتبارها الحاضن الطبيعي للمواهب والإبداعات، ومتنفساً آمناً للشباب، تسهم في تصحيح المفاهيم واحتواء من انجرفوا في مسارات سالبة، وتوجيه طاقاتهم نحو ما ينفعهم وينفع مجتمعهم ووطنهم.

وقد وجدت من الباشمهندس جرنوس تفهماً كبيراً لهذه الرؤية، واتفاقاً كاملاً على أهمية العمل في هذا الاتجاه، مؤكداً أن حماية الشباب من مخاطر المخدرات وتوفير البيئة المناسبة لصقل قدراتهم تأتي ضمن أولويات المرحلة، وأنه يعمل مع زملائه الوزراء، وعلى رأسهم والي ولاية كسلا، من أجل تنفيذ مشروعات وبرامج تسهم في بناء جيل واعٍ ومنتج وقادر على الإسهام في نهضة الولاية والسودان عموماً.

ومن حسن الصدف أن تزامنت زيارتي يوم الجمعة الموافق 18 يونيو 2026م مع افتتاح دورة “المونديال الكسلاوي” تحت شعار “قوتنا في وحدتنا”، والتي ضمت عشرة فرق تمثل أحياء مدينة كسلا المختلفة، برعاية الأمين العام للمجلس الأعلى للشباب والرياضة، وتحت إشراف التحالف السوداني – رئاسة هيئة الأركان لتحالف القوة الشعبية، الذي مثّله بالحضور رئيسه اللواء عبدالعزيز عبادي، وبجهود وتنظيم مميز من كوكبة رائعة من الشباب برئاسة الأستاذ عمر عبدالقادر محمد أوبلاك.

وقد أُجريت مباراة الافتتاح بين فريقي نجوم كادقلي وفريق التحالف، وانتهت بفوز نجوم كادقلي بهدف دون مقابل.

كما حظيت الدورة بدعمٍ مقدر من عدد من الشخصيات الوطنية والمجتمعية التي تؤمن بأهمية الرياضة ودورها في تعزيز التماسك الاجتماعي ورعاية الشباب، وفي مقدمتهم داعمة الأنشطة الرياضية والمبادرات الإنسانية الأستاذة سهام حسن سليمان، التي ظلت تقدم إسهاماتٍ مشهودة في دعم الفعاليات الشبابية والرياضية والبرامج الإنسانية، انطلاقاً من إيمانها الراسخ بأهمية تمكين الشباب وفتح آفاق أرحب أمامهم للإبداع والعطاء، وتسخير طاقاتهم لخدمة المجتمع والإسهام في بناء الوطن.

وما لفت الانتباه في هذه الدورة أنها لم تكن مجرد منافسة رياضية، بل كانت مهرجاناً للوحدة الوطنية والتعايش المجتمعي، حيث شاركت فيها مكونات المجتمع السوداني من الشرق والغرب والشمال والجنوب والوسط، في مشهد جسّد أجمل معاني الانتماء للوطن الواحد، وأكد أن السودان سيظل أكبر من كل دعاوى الفرقة والتشظي.

كما ضمت الدورة عدداً من اللاعبين المميزين، من بينهم موسى كانتي، ومازن فضل، وعبدالله طرزان، وعبدالعظيم من لاعبي الهلال العاصمي، إلى جانب أواب عنتر، ووهيب شندي، وأكرم فيصل من لاعبي المريخ العاصمي، وغيرهم من نجوم أندية النخبة والدوري الممتاز.

وقد حملت هذه الفعالية رسائل قوية وواضحة، مفادها أن الرياضة والثقافة والفنون تظل جسوراً للمحبة والتواصل بين أبناء الوطن، وأن ما يجمع السودانيين أكبر بكثير مما يفرقهم… كما أثبتت أن أهل السودان قادرون على تجاوز كل محاولات بث الفتن والكراهية، وأن قيم التعايش والتسامح لا تزال متجذرة في وجدانهم، وستظل كذلك بإذن الله.

إن ما شهدناه في كسلا يؤكد أن الاستثمار في الشباب هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل السودان، وأن المسؤول القريب من الناس، المؤمن بقضاياهم، هو القادر على صناعة الفرق وإحداث التغيير الإيجابي.

وإذا كانت المدن تُعرف بجمال طبيعتها، فإن كسلا تجمع بين جمال المكان وعظمة الإنسان… وإذا كانت المناصب تزول وتتعاقب، فإن المواقف الصادقة والإنجازات التي تلامس حياة الناس تبقى خالدة في الذاكرة والوجدان… وما أحوج السودان اليوم إلى نماذج من القيادات التي تؤمن بالإنسان قبل البنيان، وتجعل من خدمة المواطن رسالتها الأولى وغايتها الكبرى.

تحية لكسلا، مدينة الجمال والتعايش والمحبة، وتحية للباشمهندس آدم محمد آدم جرنوس، الذي يقدم نموذجاً للمسؤول الوطني المتواضع، القريب من شعبه، المؤمن بأن خدمة الناس شرف، وأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان… وستظل كسلا، بما تختزنه من قيم التآخي والتسامح ووحدة النسيج الاجتماعي، رسالة أمل تؤكد أن السودان بخير ما دام فيه رجال يزرعون المحبة، وشباب يحملون راية المستقبل، ونساء فاعلات يسهمن في دعم المبادرات المجتمعية والإنسانية، وشعب يؤمن بأن وحدته هي سر قوته وبقائه.

بصيرتي برس بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى