Uncategorizedإجتماعيةالأخبار المحلية

هل أصبح السرطان أرحم من الحكومة؟!  

سيف الدين آدم هارون

كسلا.. هل أصبح السرطان أرحم من الحكومة؟! 

كتب … سيف الدين آدم هارون

ليست هذه أرقامًا في تقرير صحي، إنها شهادات وفاة معلقة.

ما بين 7 إلى 15 حالة سرطان جديدة كل أسبوع في كسلا وحدها، 3903 حالة بعضهم لم يجد حتى شرف التسجيل في كشوفات الضحايا، ماتوا بصمت في القرى والمحليات البعيدة.

هذه هي الوجه الآخر لحكومة كسلا.. الوجه الذي لا يظهر في صور الإنجازات والافتتاحات ،بحسب البيانات الحصرية التي حصلت عليها «الصحيفة » من مركز الدكتور تركاي للأورام، بلغ إجمالي الحالات الجديدة من 2019 وحتى 2026 نحو 3,903 حالات. الرقم وحده صادم، لكن الأكثر إيلامًا أن 61% منهم نساء – 2,390 امرأة – مقابل 1,513 رجل.في عام 2019 كانت الحالات 213 فقط. اليوم نحن أمام انفجار وبائي صامت. هل هو ارتفاع حقيقي في الإصابة؟ أم تحسن في التشخيص؟ أم أن المركز أصبح يستقبل حالات الولايات المجاورة بعد انهيار النظام الصحي بالحرب؟ الأسئلة كثيرة، لكن الحكومة لا تملك إجابة، لأنها ببساطة لم تسأل نفسها من الأساس يقال إن الجرعة مجانية. وهي كذبة إدارية بامتياز.

نعم، الجرعة داخل المركز مجانية، لكنها في الغالب غير متوفرة. والمريض يخرج من المركز ليصطدم بواقع آخر: فحوصات، أشعة، أدوية مساعدة، مسكنات، تحاليل دم، وكلها بأسعار خرافية لا يقوى عليها من أثقلته الحرب والغلاء.التقيت بمرضى قرروا ترك العلاج طوعًا. لم ييأسوا من الطب، بل يأسوا من الذل. فضلوا استقبال الموت في بيوتهم بعزة، على أن يمدوا أيديهم كل صباح.

من داخل مركز تركاي، تدمع العين قبل أن تبكيها الأورام. المركز مدعوم اتحاديًا بالكامل، لم تدفع فيه ولاية كسلا ماشفي صدور الضحايا ولاية مشغولة بـ “إنجازاتها” الأسمنتية. وهناك، في غرفة بائسة، ستة كراسي فقط يتلقى عليها المرضى جرعات الكيماوي. ستة كراسي لولاية كاملة! العيادات أشبه بـ “كنتين” مدرسي، لا تليق بإنسان معافى، فما بالك بمن يصارع السرطان؟

المفارقة المبكية: كسلا والقضارف

في القضارف، الولاية الجارة، وفرت الحكومة أسطول عربات لنقل المرضى، ودعمًا مباشرًا للمركز، وسكنًا لمرافقي المرضى القادمين من المحليات.

وفي كسلا.. لا شيء. صفر كبير. تهميش متعمد للضحايا.هناك، المريض يشعر أن الدولة معه في حربه ضد السرطان. وهنا في كسلا، المريض يحارب حربين: حربه مع السرطان، وحربه الأقسى مع حكومته التي تركته يواجه فاتورة البقاء وحيدًا.

يقول لي أحد المرافقين وهو يحمل روشتة دواء: “مجانبة الخدمة داخل المركز لا تعني أن رحلة العلاج مجانية. نحن ندفع ثمن السفر، والإيجار، والفحص، والدواء من السوق السوداء. من أين نأتي بالمال؟”

تقول الدكتورة سحر محمد إدريس، أخصائية الأورام ومدير مركز تركاي، إن الكشف المبكر هو خط النجاة الوحيد. وهي محقة.لكن كيف نطالب المواطن بالكشف المبكر وهو لا يملك ثمن المواصلات للوصول إلى المركز؟ وكيف نحدثه عن الوعي مع عدم توفر حتى ملصق توعية في محلية؟

مكافحة السرطان ليست جرعة كيماوي فقط. هي منظومة كاملة: وقاية، توعية، كشف مبكر، تشخيص، علاج، تأهيل، ومتابعة. وحكومة كسلا فشلت في كل حلقات المنظومة.

مطلب المرضى اليوم واضح وبسيط ولا يحتاج إلى لجان ومؤتمرات أدخلوا علاج الأورام تحت مظلة التأمين الصحي.

هذا ليس ترفًا. هذا حق كفله الدستور. وهذا هو دور الدولة الحقيقي تجاه إنسانها، لا أن تتركه يختار بين الموت بالسرطان أو الموت جوعًا وهو يبحث عن ثمن الدواء.اليوم، هناك مرضى موجودون بالفعل، يحتاجون العلاج الآن، وليس بعد اجتماع مجلس الوزراء القادم.

من ينقذ ضحايا السرطان في كسلا من حكومتهم قبل مرضهم؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بصيرتي برس.. بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى