الرأي والمقالات

عباس الماحى في نقطة سطر جديدجلسة إستماع لمبدعي بلادي

عباس الماحى

نقطة سطر جديد


حين تضيق بنا السبل في واقعٍ يثقل كاهل الوطن، تتسع أمامنا آفاق الفكرة. وحين تتعثر الخطى، يصبح الإصغاء أعظم صور الحكمة، وأول الطريق نحو النهوض. فالأمم لا تُبنى بكثرة المتحدثين، بل بجودة المستمعين، وبالحوار الذي يوقظ العقول ويستنهض الهمم والإرادة.
“وحين يُمنح العقل فرصة للكلام، يُمنح الوطن فرصةً للحياة.”


لسنا في حاجة إلى مزيد من المنابر التي يتحدث فيها الجميع ولا يستمع فيها أحد، بل نحن في أمسّ الحاجة إلى جلسة وطنية مختلفة؛ جلسة يكون فيها الحوار عنوانًا، والصدق منهجًا، والوطن غايةً لا يعلو عليها شيء. جلسة لا تبحث عمّن ينتصر في النقاش، بل عمّا ينتصر للوطن، لأن الأوطان لا تكسب المعارك بالصخب، وإنما تكسبها بالعقول التي تعرف كيف تفكر، والآذان التي تعرف كيف تُنصت.


لقد اعتدنا أن نجلس في أمسية فنية نستمع فيها إلى مطرب يلامس بصوته شغاف القلوب، أو إلى شاعر يحلق بنا في فضاءات الجمال، أو إلى أديب يثري عقولنا بفكره وإبداعه. ولكن لماذا لا نقيم جلسة استماع أكبر وأشمل، يكون أبطالها كل مبدعي هذا الوطن؟ جلسة يكون الإبداع فيها أوسع من الفن، والوطن أكبر من كل الاختلافات.


لماذا لا نجمع الطبيب الذي ينقذ الأرواح، والمهندس الذي يشيد البنيان، والمعلم الذي يصنع الأجيال، والأديب الذي يوقظ الوعي، والإعلامي الذي يحمل الكلمة، والناقد الذي يصحح المسار، والاقتصادي الذي يرسم ملامح التنمية، والعالم والباحث اللذين يفتحان آفاق المستقبل، ورجل الصناعة، والمزارع، والحرفي، ورائد الأعمال، والشباب، والمرأة، وكل صاحب تجربة أو فكرة يمكن أن تسهم في بناء الوطن؟


ولماذا لا نفتح أبواب هذه الجلسة كذلك لأبنائنا الذين رفعوا اسم السودان عاليًا في المحافل الدولية؟ للأطباء الذين يقودون أدق العمليات في كبرى المستشفيات العالمية، والمهندسين الذين أشرفوا على أضخم المشروعات، والعلماء والباحثين والمخترعين الذين تميزوا في الجامعات ومراكز الأبحاث، والخبرات السودانية المنتشرة في أنحاء العالم. فهذه العقول هي ثروة وطنية لا تقل قيمة عن أي مورد طبيعي، ومن حق الوطن أن يستمع إليها، ومن واجبها أن تسهم في رسم مستقبله.


العقول المهاجرة لا تغادر أوطانها في الوجدان، وكل خبير سوداني في العالم يحمل معه قطعةً من مستقبل الوطن، تنتظر فقط من يستدعيها لتشارك في البناء.
نريد منصة لا تُرفع فيها الشعارات، بل تُطرح فيها الحلول… لا تُوزع فيها الاتهامات، بل تُتبادل فيها الخبرات. نريد أن يكون الحوار صريحًا، شفافًا، ومسؤولًا، وأن تكون لجنة الاستماع والحكم هي الشعب، لأنه صاحب المصلحة الأولى، وهو الأقدر على تمييز الفكرة التي تستحق أن ترى النور.


فالضوضاء قد تصنع لحظة، أما الفكرة فتصنع تاريخًا.
فالأوطان لا تبنيها الأصوات المرتفعة، بل تبنيها الأفكار الرفيعة.


إن السودان يعيش ظروفًا استثنائية فرضتها حرب مزقت الجغرافيا وأثقلت النفوس، لكنها لن تستطيع أن تمزق الإرادة إذا اجتمع أهل الرأي والحكمة على كلمة سواء. فما أحوجنا اليوم إلى أن نستبدل لغة الخلاف بلغة الحوار، وأن ننتقل من دائرة المناكفات إلى فضاء المبادرات، ومن تبادل اللوم إلى تبادل الأفكار.
“الحروب تهدم الحجر، لكنها لا تستطيع أن تهزم أمةً تؤمن بعقول أبنائها، لأن البناء يبدأ بالفكرة قبل أن يبدأ بالطوب والإسمنت”.


كل فكرة صادقة هي لبنة في بناء الوطن، وكل كلمة مسؤولة خطوة نحو المستقبل.


لسنا بحاجة إلى أن نتفق في كل شيء، ولكننا بحاجة إلى أن نتفق على الوطن. فالاختلاف سنة من سنن الحياة، أما الخصومة الدائمة فهي استنزاف للوقت والجهد والفرص…


وما أجمل أن تتحول طاقاتنا من مواجهة بعضنا إلى مواجهة التحديات التي تعترض طريقنا.
“ليس أعظم من أن نختلف باحترام، ثم نجتمع على حب الوطن”.


لقد شهد العالم تجارب لدول خرجت من تحت ركام الحروب والأزمات، لكنها لم تنهض بالصدفة، وإنما نهضت لأنها جعلت الإنسان محور التنمية، والعلم طريق التقدم، والعمل ثقافة، والحوار وسيلة، والإرادة الوطنية مشروعًا جامعًا. لم تكن تلك الشعوب أفضل منا عقولًا، ولا أغنى منا موارد، لكنها أحسنت استثمار ما لديها، فصنعت من المحنة منحة، ومن الألم أملًا، ومن التحديات فرصًا.


كل نهضة في التاريخ بدأت بفكرة آمن بها إنسان، ثم آمنت بها أمة، فتحولت الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى حضارة.


“الأمم العظيمة لا تنتظر الظروف المثالية، بل تصنع مستقبلها رغم القسوة والمعاناة”.
إن دعوتنا اليوم ليست دعوة سياسية، ولا تحمل لونًا إلا لون الوطن…


اللون الوحيد الذي ينبغي أن يرفرف ويزين مدخل القاعة هو علم السودان؛ رمزًا لوطن يسع الجميع، بلا إقصاء ولا تصنيف ولا اصطفاف. تحت هذا العلم تتساوى الأفكار، ويعلو صوت الحكمة على كل الأصوات.


فلنفتح الأبواب أمام العلماء، وأصحاب الخبرة، والمبتكرين، والمبدعين، وأهل الرأي السديد، والشباب الذين يحملون أحلامًا تستحق أن تُسمع، ولنجعل من هذه الجلسة ورشة وطنية دائمة، تُجمع فيها الأفكار، وتُناقش بموضوعية، ثم تتحول إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ، تتابعها مؤسسات الدولة والمجتمع، حتى لا تبقى الأفكار حبرًا على ورق.
الوطن الذي يستمع إلى مبدعيه لا يشيخ، والوطن الذي يهملهم يؤجل مستقبله بيده.


وقد لا تحل جلسة واحدة جميع مشكلات الوطن، لكنها قد تزرع بذرة فكرة تغيّر مسار أمة، وقد تشعل شمعة في طريق طال فيه الظلام. فكل مشروع عظيم بدأ بفكرة، وكل نهضة بدأت بحوار، وكل حضارة شيدها أناس آمنوا بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.
دعونا نؤمن بأن السودان أكبر من خلافاتنا، وأغلى من مصالحنا، وأبقى من كل المواقف والتحديات. دعونا نكتب فصلًا جديدًا عنوانه: “الاستماع قبل الاختلاف، والفكرة قبل الخصومة، والوطن قبل الجميع.”


ولنجعل من هذه الدعوة عهدًا بيننا: أن يكون لكل صاحب علم، ولكل مبدع، ولكل صاحب تجربة أو حلم، مقعدٌ في جلسة استماع لمبدعي بلادي، وأن يكون الحكم فيها ضمير الشعب، وأن يكون الهدف الأسمى سودانًا آمنًا، مزدهرًا، متماسكًا، يليق بتاريخ أهله، ويحقق طموحات أبنائه.


فالأوطان لا تنهض بكثرة المتحدثين، وإنما بعظمة من يُحسن الاستماع، وصدق من يعمل، وإخلاص من يجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.


ولعل أعظم استثمار يمكن أن نبدأ به اليوم ليس في الذهب ولا النفط ولا الأرض، وإنما في الإنسان نفسه؛ في عقله، وعلمه، وخبرته، وإبداعه. فحين نجلس لنستمع إلى أصحاب الفكر قبل المسؤولين، وإلى أهل الإنجاز قبل أهل الشعارات، سنكتشف أن بيننا من يملك حلولًا لمشكلات طال انتظارها. عندها فقط، لن تكون جلسة الاستماع مجرد لقاء، بل ستكون بداية مشروع وطني يعيد للسودان ثقته بنفسه، ويعيد للعقل السوداني مكانته، ويمنح الأجيال القادمة

وطنًا يفتخرون بالانتماء إليه.
واليوم، ونحن نقف على مفترق طرق، ليس السؤال: هل يستطيع السودان أن ينهض؟ بل السؤال هو: هل نحن مستعدون لأن نستمع إلى أفضل ما في الوطن؟ فبين أبنائه من يحمل فكرة قد تنقذ اقتصادًا، ورؤية قد توقف نزيفًا، وابتكارًا قد يفتح بابًا لمستقبل مختلف


إن الأمم لا تصنعها المصادفات، وإنما تصنعها الإرادات التي تؤمن بأن الإنسان هو أعظم ثروة، وأن الكلمة الصادقة قد تكون بداية نهضة، وأن الفكرة المخلصة قد تغيّر مصير وطن بأكمله.


فإذا كان الذهب يخرج من باطن الأرض، فإن نهضة السودان ستخرج من عقول أبنائه… وإذا كان النفط ينضب، فإن الفكر الصادق لا ينضب. وإذا كانت الحروب تترك خلفها الخراب، فإن الإبداع يترك خلفه الحضارة.
فلنجعل من هذه الدعوة ميثاقًا وطنيًا، ومن الاستماع ثقافة، ومن الحوار منهجًا، ومن الإبداع رسالة، ومن الوطن القضية التي تتقدم على كل القضايا.


وعندما يكتب التاريخ قصة نهوض السودان، فلن يكتب أن البداية كانت بخطابٍ صاخب، أو بمنصةٍ تعلو فيها الأصوات، بل سيكتب أن البداية كانت يوم جلس السودانيون يستمعون إلى بعضهم بإخلاص، فاجتمعت العقول، فتوحّدت الإرادة، فنهض الوطن.


فالسودان لا ينقصه الرجال ولا النساء، ولا ينقصه العلم ولا الإبداع، وإنما يحتاج فقط إلى أن يمنح أبناءه فرصةً ليقولوا ما يعرفون، ثم يمنح الوطن شجاعةً ليعمل بما يسمع. وهناك… تبدأ الحكاية الجديدة، حكاية وطنٍ يقوده العقل، ولا تصنع مستقبله الشعارات، بل تصنعه الأفكار.

عباس الماحى نقطة سطر جديد

لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/

بصيرتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى