التحقيقات والتقارير

جمعية جراحي العظام تجبر كسور الخرطوم _ تقرير: مي علي آدم

جمعية جراحي العظام

جمعية جراحي العظام

من تحت الركام.. يعود المشرط
كانت الخرطوم مدينة بلا عظام.
95% من مستشفياتها خرجت من الخدمة قسراً بسبب الحرب. الطوارئ أُغلقت بالمفتاح، وغرف العمليات تحولت إلى مخازن، والمريض كان يموت مرتين: مرة بالإصابة، ومرة بغياب الطبيب.

وبعد سنوات من الإغلاق والنهب والخراب
عادت أصوات الأطباء تعلو من جديد في العاصمة. قاعات كانت مقابر للمعدات تحولت اليوم إلى منصات علم.

اليوم، تتغير المعادلة.
في أول ملتقى علمي وتدريبي بعد تحرير العاصمة بفندق السلام روتانا، أعلن د. محمود البدري وزير الصحة بولاية الخرطوم عن تسليم “مستشفى العظام” لإدارة جمعية جراحي العظام السودانية ليصبح مستشفى مرجعي لجراحة العظام في السودان.
لم يكن مجرد إعلان. كان إعلاناً أن مرحلة الإسعاف انتهت.. وبدأت مرحلة الجراحة.

ملف عمره 18 عاماً.. يرى النور
د. محمود البدري لم يُخفِ حجم الإرث الثقيل.
قال بنبرة حاسمة:

“تقدمت الجمعية بطلب لإنشاء مستشفى مرجعي لجراحة العظام في 2008. ظل الملف حبيس الأدراج 18 عاماً. اليوم نعيده لأهله”.


وأضاف: “هذا التسليم يمثل تحولاً استراتيجياً. من ثقافة الطلبات إلى ثقافة الشراكة والتنفيذ. نحن بحاجة لكل كادر متخصص لمعالجة آثار الحرب”.

ثم عدد ما تم إنجازه على الأرض: “أعدنا تشغيل مستشفى إبراهيم مالك، الخرطوم، الشعب، الأنف والأذن والحنجرة، والعيون. وعدد كبير في مراحله الأخيرة”.
رسالته كانت واضحة: عجلة التأهيل دارت ولن تتوقف.

150 جراحاً.. في مواجهة إرث الحرب
قاعة فندق السلام روتانا تحولت إلى غرفة عمليات كبرى.
150 طبيباً.. 30 حلقة علمية وعملية.. ونخبة من أساتذة الجامعات. هذا هو أول ملتقى للجمعية بعد الحرب.

د. ياسر قشي رئيس الجمعية أوضح هدف الملتقى قائلاً:

“نقدم في هذا الملتقى مادة علمية وعملية مكثفة لمنسوبي جراحة العظام في السودان. عبر نخبة كبيرة من الاستشاريين والأساتذة واختصاصي جراحة العظام، نستهدف قطاعاً واسعاً من الأطباء العاملين في مجالات جراحة العظام المختلفة”.


وأضاف: “هذا هو أول ملتقى علمي بعد الحرب. يشارك فيه 150 طبيباً وتجاوزت الحلقات العلمية 30 حلقة عملية. وهو بداية لبرنامج كبير يهدف لإعادة الخدمة الطبية المميزة في مجالات جراحة العظام”.

وتابع: “الملتقى يمثل شراكة حقيقية. برعاية وزارة الصحة ولاية الخرطوم، وبمشاركة القطاع الخاص عبر الشركات الطبية، والقطاع الحكومي، والقطاع الأكاديمي ممثلاً في جمعية جراحي العظام السودانية”.
الملتقى ضم معرضاً مصاحباً لأحدث تقنيات التثبيت والتركيب.

“نكسر إصابات الحرب.. ونثبتها”
الرقم الذي لا ينسى كشفه د. محمد مدني الحاج الأمين العام للجمعية:
“الحرب لم تكسر المباني فقط. كسرت أجساداً. لدينا آلاف من إصابات العظام بين المواطنين والنظاميين”.
لذلك كان محور الملتقى: إصابات الطرف العلوي، من الكتف حتى سلاميات الأصابع. “هي الأصعب.. وهي الأكثر انتشاراً الآن”.

ثم انتقل من النظرية إلى التطبيق: “أمس كنا في مستشفى السلاح الطبي. دربنا الأطباء على مهارات تثبيت الكسور يداً بيد. هذه أولى خطوات سلسلة تدريبية ستجوب كل المستشفيات العائدة”.

لماذا العظام أولاً؟
لأن الحرب تترك خلفها شيئين: قتلى.. ومعاقين.
وتخصص جراحة العظام هو خط الدفاع الأول ضد الإعاقة الدائمة.
بتسليم المستشفى للجمعية، تكون الدولة قد اختارت “الجراح” بدل “الموظف”. اختارت العلم بدل البيروقراطية.
هذه هي الشراكة التي تحتاجها الخرطوم الآن: دولة توفر البنية.. وأطباء يديرون بالعلم.

الخرطوم ستقف
الحرب أخرجت 95% من المستشفيات..
وإرادة 5% أعادتها، وستعيد الباقي.
ما دام هناك وزير يعلن، وجمعية تستلم، و150 جراحاً يرفعون المشرط..
فالعظم المكسور سيجبر، والمدينة التي سقطت ستنهض.

الخرطوم لم تمت. الخرطوم تُجبر.

بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى