Uncategorizedالأخبار المحليةالرأي والمقالات

عندما نتحدث عن العيلفون، فإننا نستعرض تاريخًا ومحطاتٍ تمتد عبر قرنٍ من الجمال والإبداع

عباس الماحي

عباس الماحى

نقطة سطر جديد

العيلفون ومحطات من الجمال والإبداع

********************************

عندما نتحدث عن العيلفون، فإننا نستعرض تاريخًا ومحطاتٍ تمتد عبر قرنٍ من الجمال والإبداع. فليست العيلفون مجرد مدينةٍ تقيم على ضفاف الذاكرة، ولا بقعةً جغرافيةً تتكئ على تخوم العاصمة الخرطوم، وإنما هي حكاية جمالٍ سودانية، وسفرٌ مفتوح في كتاب الإبداع، وواحةٌ من المحبة والأصالة، تختلط في ترابها رائحة التاريخ بعطر الفن.

وفي وجدان أهلها، الذين اجتمعوا فيها من مختلف بقاع البلاد، على اختلاف قبائلهم، تتجلى صورةٌ فريدة من التآخي والتعايش؛ فقد توحّدوا في انتمائهم إليها، حتى غدت العيلفون قبيلتهم الجامعة، وصاغوا معًا ملامح تراثها، ومضوا بأحلامهم نحو المستقبل.

إنها مدينةٌ كلما حاولت أن تكتب عنها، اكتشفت أن الكلمات، مهما اتسعت، أضيق من أن تحتوي سحرها، وأن الحروف، مهما تجملت، أعجز من أن تفيها حقها.

العيلفون حكايةٌ كتبتها الأزمنة على ضفاف النيل، ومدينةٌ اتخذت من الإنسان والإبداع عنوانًا لهويتها، ومن الوفاء للجذور جسرًا تعبر به نحو المستقبل. ففي ذاكرتها تتجاور حكايات الأجيال، وتلتقي سير الراحلين بأحلام الأجيال المتعاقبة، وتظل آثار الرجال والنساء الذين صنعوا مجدها حاضرةً في الوجدان، مهما ابتعدت المسافات وتبدلت الأحوال. فيها وُلدت الذكريات، ونمت المواهب، وترددت القصائد والأغاني التي حملت اسمها إلى أماكن بعيدة، حتى أصبح الحنين إليها جزءًا من وجدان أبنائها، أينما حلّوا وارتحلوا.

ومع الاحتفاء بمئوية العيلفون، لا يقتصر الأمر على الاحتفال بمرور مائة عام على تاريخٍ محدد، وإنما يتجاوز ذلك إلى استدعاء قرنٍ من الذاكرة الحديثة، وفتح نوافذ التاريخ الأوسع على مدينةٍ تمتد جذورها إلى أزمنةٍ أقدم من أن تحيط بها مناسبةٌ واحدة. إنها فرصةٌ لاستعادة سيرة المكان والإنسان، واستحضار ما قدمته العيلفون للوطن من علمٍ وأدبٍ وشعرٍ وفن، والتأمل في مسؤولية الأجيال الجديدة تجاه إرثٍ يستحق أن يُصان ويُوثَّق ويُطوَّر.

فالجمال في العيلفون ليس عمرًا تحصيه السنوات، ولا صورةً تحفظها الذاكرة ثم تمضي، بل هو روحٌ تسكن المكان، ومحبةٌ تتوارثها القلوب، وتاريخٌ تتجدد صفحاته بإبداع أبنائه. وهو كذلك حصيلة عطاء المربين والمزارعين والعلماء والأطباء والأدباء والشعراء والفنانين والرياضيين، وسائر المهنيين الذين أسهموا في تشكيل وجدانها وصناعة مكانتها في الذاكرة الوطنية. لقد كان هؤلاء، كلٌّ في مجاله، رواةً لحكاية العيلفون، وحراسًا لهويتها، وجسورًا ربطت الماضي بالحاضر، ومهّدت الطريق أمام الأجيال لتعرف جذورها وتستشرف مستقبلها.

وحين نتأمل تاريخ العيلفون، نقف أمام مساحةٍ واسعة من الامتدادات التاريخية والحضارية التي تربط المنطقة بتاريخ سوداننا الحبيب ونيله. فمن أصداء مملكة علوة، وما يحيط بتاريخها من روايات، إلى حقبة السلطنة الزرقاء وما شهدته من تحولاتٍ سياسية وثقافية ودينية، تتسع أمامنا آفاق قراءة المكان، لا باعتباره جغرافيا فحسب، بل باعتباره جزءًا من حركة التاريخ السوداني وتفاعلاته.

وفي هذا السياق، تحتل سيرة الشيخ إدريس بن محمد الأرباب مكانةً خاصة في الذاكرة الدينية والاجتماعية للعيلفون. وٱصبح ٱحد ٱبرز رموزها التاريخية، فقد ارتبط اسمه بالعلم والتصوف والإرشاد، وبالمسيد والخلاوي التي أسهمت في نشر المعرفة الدينية وترسيخ قيم التكافل والتربية الروحية. ولم تكن هذه المؤسسات مجرد أماكن للعبادة والتعليم، بل كانت فضاءاتٍ للتواصل الاجتماعي، ومراكز لتكوين الوجدان، ومصادر للقيم التي انتقلت من جيلٍ إلى آخر.

وهكذا، تشكلت شخصية العيلفون من روافد متعددة؛ من التاريخ والموروث الديني، ومن التعليم والعلاقات الاجتماعية، ومن الشعر والغناء والاحتفاء بالحياة. وتلك إحدى ميزات المدن التي تحتفظ بخصوصيتها؛ فهي لا تعيش على ماضيها وحده، وإنما تستمد منه القدرة على فهم حاضرها وبناء مستقبلها.

ولعل الاحتفاء بالمئوية يمثل مناسبةً لإعادة قراءة هذا التاريخ بروحٍ علمية ومحبةٍ صادقة، تجمع بين الرواية الشفاهية والوثيقة المكتوبة، وبين ذاكرة كبار السن وما توفره البحوث التاريخية من أدلة، حتى تُحفظ الحكايات من الضياع، وتُميَّز الحقائق الموثقة من الروايات.

إذا كان التاريخ يمنح المكان جذوره، فإن الفن يمنحه صوته، ويجعل قصته قادرةً على عبور الزمن. ومن هنا، تبرز قصيدة «العيلفون جنة عدن» بوصفها ذاكرةً للمدينة، وواحدةً من أبرز الرموز الفنية التي تستدعيها الذاكرة عند الحديث عن جمال العيلفون وانتماء أهلها إليها.

وتروي الذاكرة المتداولة أن عام 1926م شهد ميلاد هذه الكلمات التي صاغها الشاعر احمد محمد حسين العمرابي، وأن الفنان إبراهيم عبد الجليل سرور أبدع في تلحينها وأدائها بمناسبة زواج صديقهما الأستاذ أحمد دفع الله. وهي رواية تحمل في تفاصيلها ملامح المجتمع العيلفوني في ذلك الزمن، حيث كانت المناسبات الاجتماعية فضاءاتٍ يلتقي فيها الشعراء والمغنون، وتتحول الأفراح الخاصة إلى لحظاتٍ من الإبداع المشترك الذي يبقى أثره في الوجدان العام.

وفي هذه الحكاية ما يتجاوز حدود المناسبة التي قيلت فيها القصيدة؛ إذ نلمح صورة مجتمعٍ يحتفي بالجمال، ويمنح الكلمة مكانتها، ويجعل من الغناء وسيلةً للتعبير عن المحبة والانتماء. فالشاعر يكتب الكلمة، والملحن يمنحها روحها، والمغني يبعث فيها الحياة، ثم يتلقاها الناس ويرددونها حتى تصبح جزءًا من ذاكرتهم المشتركة.

وهنا تتجلى قيمة «العيلفون جنة عدن»؛ فهي ليست مجرد قصيدةٍ في وصف مدينة، ولا أغنيةً ترتبط بزمنٍ مضى، بل هي تعبيرٌ عن علاقة الإنسان بمكانه، وعن ذلك الحنين الذي يجعل المدن أكبر من حدودها الجغرافية … إنها صورةٌ شعرية للعيلفون كما تسكن وجدان أهلها: مكانٌ للجمال والبهجة، وموطنٌ للألفة، وفضاءٌ تتداخل فيه ذكريات الطفولة مع أفراح الشباب، وتلتقي فيه حكايات الأمس بتطلعات الغد.

أما اقتران القصيدة باسم الفنان سرور، أحد رواد الغناء الأصيل، يمنح هذه الحكاية بُعدًا يتصل بتاريخ الأغنية السودانية وتطورها. فقد أسهم جيل الرواد في ترسيخ مكانة الغناء بوصفه فنًا قادرًا على التعبير عن المجتمع وتحولاته، وعلى تحويل الكلمات المحلية إلى ذاكرةٍ وطنية تتجاوز حدود المكان الذي نشأت فيه.

ومن هنا، فإن استعادة هذه القصيدة في مناسبة المئوية ليست استدعاءً عاطفيًا لأغنية قديمة، بل هي عودةٌ إلى لحظةٍ من لحظات تفاعل الشعر والغناء والمجتمع، وإلى نموذجٍ من نماذج الإبداع الذي ينطلق من مناسبة محلية، ثم يكتسب، مع مرور الزمن، دلالاتٍ أوسع في وجدان الناس.

ولأن هذه القصيدة ترتبط برواية تاريخية محددة بشأن عامها ومناسبتها وصُنّاعها، فمن المهم أن تترافق الاحتفالات بها مع جهود التوثيق وحفظ التراث، حتى تتحول الذاكرة إلى مادةٍ موثقة يستطيع الباحثون والأجيال القادمة الرجوع إليها.

إن الحديث عن إبداعات العيلفون لا تختصره قصيدة «العيلفون جنة عدن»، على الرغم من مكانتها الرمزية؛ فهذه القصيدة نافذةٌ على فضاءٍ أرحب من العطاء الإنساني والثقافي … إنها مدخلٌ إلى الحديث عن الشعراء الذين صاغوا مشاعر الناس في كلمات، وعن الفنانين الذين حملوا أصواتهم إلى الآخرين، وعن المعلمين والمثقفين الذين جعلوا المعرفة طريقًا للارتقاء، وعن المبدعين في مختلف المجالات الذين أسهموا في تشكيل صورة المدينة ووجدانها.

لقد ظلت المجتمعات السودانية، ومنها مجتمع العيلفون، تعتمد، في جانبٍ مهم من حفظ تراثها، على الرواية الشفاهية والمجالس في الدواوين والساحات والمناسبات الاجتماعية. وفي هذه المساحات، انتقلت الأشعار والأغاني والحكايات والأمثال من جيلٍ إلى جيل، واكتسبت المناسبات الخاصة قيمةً تتجاوز حدودها، لتصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية.

ولذلك، فإن مئوية العيلفون تستحق أن تكون مناسبةً لاستعادة أسماء مبدعيها، وتوثيق سيرهم وأعمالهم، والتعريف بإسهاماتهم في مجالات الأدب والموسيقى والغناء والمسرح والتعليم والفكر وسائر أشكال الإبداع … كما تستحق أن تفتح المجال أمام أبناء المدينة في الداخل والمهجر للمشاركة في كتابة تاريخها الثقافي، وتقديم ما لديهم من وثائق وصور وتسجيلات ومذكرات وشهادات.

إن كل اسمٍ يُستعاد من النسيان، وكل قصيدةٍ تُحفظ من الضياع، وكل تسجيلٍ قديم يُرمَّم ويُتاح للباحثين، يمثل إضافةً إلى ذاكرة العيلفون وإلى ذاكرة السودان الثقافية. فالأمم لا تحفظ تراثها إلا بالعمل المنظم، والمؤسسات التي ترعاه، والأجيال التي تتعلم كيف تتعامل مع الماضي بوصفه مسؤوليةً تستوجب الحفظ والصون.

إن تحويل «العيلفون جنة عدن» إلى شعارٍ للمئوية يحمل دلالةً عميقة؛ فهو احتفاءٌ بالقصيدة التي جمعت الشعر والغناء، وبالفنانين الذين منحوا المكان صوتًا، وبالمدينة التي ألهمت أبناءها التعبير عن حبها. وهو كذلك تأكيدٌ على أن هوية المدن تصنعها الذاكرة الإنسانية، لا المباني والطرقات وحدها، وعلى ما يتركه أهلها من أثرٍ في الثقافة والمعرفة والحياة العامة.

لكن الاحتفاء بالمئوية لا يكتمل بمجرد ترديد الأغنية أو استعادة ذكرياتها، بل ينبغي أن يتحول إلى مشروعٍ ثقافي متكامل، يليق بمكانة العيلفون وتاريخها وأهلها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إقامة معرضٍ دائم لتاريخ المدينة، وإنشاء أرشيفٍ رقمي يوثق أعمال مبدعيها، وتنظيم ندواتٍ علمية حول تاريخها وتراثها، وإقامة أمسياتٍ للشعر والغناء تستعيد أعمال الرواد، وتمنح المواهب الشابة فرصةً للظهور.

ومن المهم أيضًا أن تتسع هذه المبادرات لتشمل مدارس العيلفون وشبابها ونساءها ومؤسساتها الثقافية والرياضية والاجتماعية، وأن تتيح لأبناء المدينة في المهجر الإسهام بخبراتهم وإمكاناتهم. فالمئوية مناسبةٌ ذات قيمة، وشأنٌ عام يجمع أهل المدينة حول تاريخهم المشترك ومسؤوليتهم تجاه مستقبلها.

ولعل من أجمل ما يمكن أن تقدمه هذه المناسبة أن يصبح الاحتفاء بالماضي حافزًا للإبداع الجديد؛ فتُستعاد الأغنية القديمة في أعمالٍ فنية معاصرة تحافظ على أصالتها، وتُشجَّع الأجيال الجديدة على كتابة الشعر وتلحين الأغاني وتوثيق مناسباتها، وتُمنح المواهب الناشئة المساحة التي تستحقها. وبهذا، لا تتحول المئوية إلى احتفالٍ فحسب، بل تصبح بدايةً لمشروعٍ ثقافي مستدام.

فالعيلفون التي أنجبت المبدعين في الأمس قادرةٌ على أن تحتضن مبدعي اليوم والغد، وستجد المواهب الشابة الرعاية والتشجيع، لأن الاهتمام بالثقافة ضرورةً لبناء المجتمع.

إن «العيلفون جنة عدن» تختزل علاقةً وجدانيةً عميقة بين الإنسان ومكانه. إنها صورةٌ لمدينةٍ تختزن ذكرياتها، وتنبض بالعلاقات الإنسانية، وتقدم عطاءً ثقافيًا واجتماعيًا متجددًا. وهي كذلك رسالةٌ إلى الأجيال الجديدة بأن الانتماء ليس مجرد اعتزازٍ بالماضي، وإنما هو التزامٌ بالمحافظة على ملامح المكان، وتطوير حياته، وصون تراثه، والإضافة إلى ما تركه السابقون.

وعندما نستعيد قصيدة العمرابي وألحان سرور في مناسبة المئوية، فإننا نستعيد أكثر من أغنية؛ نستعيد زمنًا كانت فيه الكلمة جسرًا للمحبة، وكان الغناء تعبيرًا عن الفرح والانتماء، وكانت المناسبات الاجتماعية تفتح أبوابها للإبداع، فيلتقي الشاعر بالفنان، وتلتقي الموهبة بالمجتمع، وتولد من هذه اللقاءات أعمالٌ تبقى بعد انقضاء مناسباتها.

إن مئوية العيلفون فرصةٌ لتجديد العهد مع هذا الإرث، ولتأكيد أن تاريخ المدينة ليس ملكًا للماضي وحده، بل هو أمانةٌ في أعناق أبنائها جميعًا. فمن حق الأجيال القادمة أن تعرف من أين جاءت هذه الأغنية، ومن كتب كلماتها، ومن لحّنها وأداها، وفي أي سياقٍ اجتماعي وُلدت، وكيف تحولت إلى رمزٍ للجمال والانتماء. ومن حقها أيضًا أن تتعرف إلى بقية المبدعين الذين صنعوا ذاكرة المدينة، وإلى ما قدموه للسودان من عطاءٍ يستحق التقدير والتوثيق.

وهكذا، ونحن نحتفي بمئوية العيلفون، نحتفي بقرنٍ من الحكايات والذكريات، ونستحضر جذورًا أعمق تمتد في تاريخ المكان، ونفتح الطريق أمام قرنٍ جديد من العلم والفن والإبداع. نحتفي بالعيلفون التي علّمت أبناءها أن للجمال صوتًا، وللذاكرة أمانةً، وللانتماء عملًا لا ينقطع.

العيلفون جنة عدن؛ قصيدةٌ كتبها شاعر، وأحياها فنان، وحفظها وجدان الناس، لتصبح اليوم أكثر من أغنية: عنوانًا للوفاء، ورايةً للإبداع، وجسرًا يصل ذاكرة الأمس بأحلام الغد.

فلتكن المئوية احتفاءً بالماضي، وتكريمًا للمبدعين، ومشروعًا لحفظ التراث، وبدايةً لمرحلةٍ جديدة تستعيد فيها العيلفون مكانتها الثقافية، وتمنح أبناءها فرصةً أوسع لصناعة مستقبلٍ يليق بتاريخها وجمالها.

وكل عامٍ والعيلفون بخير، وكل عامٍ وأهلها أكثر محبةً ووفاءً وإبداعًا، لتظل جنةً تسكن القلوب، ومدينةً تتجدد فيها الحكاية جيلًا بعد جيل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بصيرتي برس.. بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى