هل انهار الاقتصاد أم استعجلنا إعلان وفاته؟

هل انهار الاقتصاد أم استعجلنا إعلان وفاته؟
يرى البروفيسور محجوب هجّانة الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي
أكثر ما يؤلمني اقتصاديًا ليس ارتفاع الدولار ولا انفلات التضخم؛ بل أن بعض التحليلات، وللأسف الشديد حتى من بعض الاقتصاديين، تنعي الاقتصاد بكلمة واحدة: «انهيار»، وكأن رقمًا واحدًا يكفي لإصدار شهادة وفاة لاقتصاد كامل.
أقولها بلا مجاملة: ارتفاع الدولار ليس اقتصادًا، والتضخم ليس اقتصادًا، وسعر الصرف وحده ليس شهادة وفاة. فأين الإنتاج؟ أين الاستثمار؟ أين الصادرات؟ ماذا حدث للجهاز المصرفي والمالية العامة؟ وما حجم مساهمة كل عامل في الأزمة؟
وأذكّر هنا: الاقتصاد علم واسع ومتعدد الفروع؛ من الاقتصاد الكلي والنقدي والمالي، إلى اقتصاد التنمية والتجارة الدولية والاقتصاد الصناعي والزراعي، ثم يأتي الاقتصاد القياسي ليقيس العلاقات ويختبر السببية. فكيف نختزل كل هذا العلم في سعر صرف؟
ونحن في الاقتصاد القياسي لا نرى الرقم ثم نقفز إلى الحكم؛ نقيس، نقارن، نختبر، ثم نستنتج. ومن يعلن «انهيار الاقتصاد» مطالب بأن يجيب علميًا: ماذا انهار؟ ولماذا؟ وما حجم مساهمة كل سبب؟
وأقول بوضوح: الحرب أحدثت صدمة اقتصادية هائلة؛ دمرت رأس المال، عطلت الإنتاج، شردت العمالة، قطعت سلاسل الإمداد، ورفعت تكاليف النقل والتجارة.
لكن هنا تبدأ المسؤولية الاقتصادية، لا تنتهي.
الحرب تفسر جانبًا كبيرًا من الصدمة، لكنها لا تمنح السياسات الاقتصادية الفاشلة حصانة من النقد، ولا يجوز أن تتحول الحرب إلى مظلة تُوضع تحتها كل الأخطاء الاقتصادية.
وأحذر: آن الأوان لنقد السياسات الاقتصادية الفاشلة بشدة، بلا مجاملة ولا تبرير؛ من السياسة النقدية والمالية، إلى إدارة النقد الأجنبي، إلى سياسات الإنتاج والصادرات والاستثمار. فالسياسة التي تفشل في حماية القوة الشرائية وتحفيز الإنتاج وتوفير النقد الأجنبي يجب أن تُراجع وتُحاسب وتُغيّر، لا أن تُعاد تدويرها.
وأتساءل: إذا أصبح تفسير كل ارتفاع في الأسعار وكل تراجع في قيمة العملة وكل ضعف في الإنتاج بالحرب وحدها هو الإجابة الجاهزة، فمتى نقيس أثر القرارات والسياسات؟
بهذه الطريقة لا نحلل الاقتصاد؛ نحن فقط نعيد تسمية الفشل.
وراء كل رقم مواطن يقف في مواجهة الأزمة كل يوم: راتب تتآكل قوته الشرائية، دواء يرتفع سعره، أسرة تضيق خياراتها، وعامل يفقد دخله. فالاقتصاد في النهاية ليس أرقامًا على الورق؛ الاقتصاد هو حياة المواطن وكرامته وقدرته على تأمين احتياجات أسرته.
وأخيرًا: حسم الحرب أولًا، ثم تغيير السياسات الاقتصادية الفاشلة، لا إعادة تدويرها. فالحرب قد تفسر لماذا أُصيب الاقتصاد، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: كيف نُدير الاقتصاد بعد أن أُصيب؟
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي لأي اقتصادي أن يهرب منه: إذا أصبح تفسير كل شيء بالحرب هو الإجابة الجاهزة، فمن يحاسب على السياسات التي فاقمت الأزمة؟ ومن يملك الشجاعة ليقول: هذه السياسة فشلت، وهذه يجب أن تتغير؟
فالبيانات لا تجامل، والقياس لا يحابي، والاقتصاد لا يكذب… وفي النهاية، المواطن هو من يدفع ثمن الخطأ الاقتصادي.
بصيرتي برس.. بصيرة الوطن