إجتماعيةالرأي والمقالات

عندما يطغى صوت المرأة على الرجل

الفرق بين القوة والتسلط وأثر إسقاط القوامة والهيبة الأسرية على الأبناء

عباس الماحى

نقطة سطر جديد

عندما يطغى صوت المرأة على الرجل

ليست كل المشاهد التي نراها في الحياة تحتاج إلى كثير من الشرح، فبعضها يكفي أن تراه حتى يترك في النفس سؤالاً لا يهدأ، وحيرة لا تجد لها جواباً سهلاً.

ومن أكثر تلك المشاهد إيلاماً أن ترى بيتاً يعيش فيه رجل وامرأة، ثم لا تكاد تشعر بوجود الرجل فيه، وكأن حضوره مجرد صورة في المكان، أو اسم في الأوراق، بينما الكلمة كلها لغيره، والقرار كله بيد غيره، والأبناء يعرفون من يأمر وينهى، ومن يضع الحدود، ومن يقرر المصائر، ثم لا يجد الأب أمام ذلك كله إلا الصمت، أو الموافقة، أو الانسحاب من المشهد.

ليس الحديث هنا عن امرأة قوية الشخصية، ولا عن زوجة ناجحة، ولا عن أم تحملت مسؤولية بيتها، ولا عن امرأة وقفت إلى جوار زوجها وساعدته في تحمل أعباء الحياة.

فالمرأة القوية التي تعرف قدرها، وتحفظ بيتها، وتربي أبناءها، وتشارك زوجها الرأي، وتتحمل معه صعوبات الحياة، ليست مشكلة، بل هي نعمة.

وإنما الحديث عن شيء آخر تماماً…

عن أن تتحول القوة إلى تسلط، والرأي إلى أمر، والنصيحة إلى وصاية، والمشاركة إلى استحواذ، حتى يصبح الرجل في بيته بلا قرار، ولا موقف، ولا كلمة مسموعة، ولا قدرة على التدخل حين تستدعي المواقف تدخله.

وهنا ينبغي أن نقف طويلاً.

فليس من العدل أن نطالب الرجل بأن يكون مسؤولاً عن أسرته، ثم نسلبه كل أدوات المسؤولية، ولا من الحكمة أن نطالبه بحماية البيت ورعاية الأبناء، ثم نجعله آخر من يعلم وأقل من يُستشار.

قال الله سبحانه وتعالى:
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: 34].

والقوامة في الإسلام ليست استبداداً، وليست ترخيصاً للرجل في ظلم المرأة أو إهانتها أو مصادرة رأيها، وإنما هي مسؤولية وتكليف ورعاية وإنفاق وحماية، ولذلك لا يستقيم أن تكون للرجل مسؤولية بلا صلاحية، أو تكليف بلا حضور، أو واجب بلا احترام.

قال النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عن رعيتها، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». رواه البخاري.

وهنا معنى عظيم ينبغي ألا يغيب.

فالحديث لم يجعل الرجل وحده مسؤولاً، ولم يجعل المرأة بلا دور، وإنما جعل لكل منهما رعاية ومسؤولية.

الرجل راعٍ على أهل بيته.

والمرأة راعية على بيت زوجها وولده.

إذن فالمشكلة ليست في أن تكون للمرأة كلمة، وإنما في أن تتحول كلمتها إلى إلغاء لكلمة زوجها.

وليست المشكلة في أن يتحمل الرجل مسؤوليته، وإنما في أن تتحول مسؤوليته إلى تسلط وظلم.

إن الأسرة ليست مؤسسة يتنافس فيها الزوجان على منصب المدير العام، وليست ساحة لمعركة يومية عنوانها: من صاحب الكلمة الأخيرة؟

بل هي أمانة.

وكلما فهم الزوجان أن كلاً منهما سيُسأل أمام الله عن أمانته، قلّت الرغبة في السيطرة، وزادت الرغبة في الإصلاح.

فإذا كان الرجل راعياً، فكيف يكون راعياً وهو لا يستطيع أن يتخذ قراراً؟

وكيف يتحمل المسؤولية إذا كان كل قرار يُتخذ بعيداً عنه؟

وكيف يُطلب منه أن يحاسب أمام الناس عن أسرته، بينما لا يكون له صوت مسموع داخلها؟

إن الأسرة ليست ساحة صراع على من ينتصر ومن يفرض كلمته، وإنما هي مؤسسة مودة ورحمة، لكل طرف فيها دوره وكرامته ومسؤوليته.

قال الله سبحانه وتعالى:
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم: 21].

فإذا غابت المودة، تحولت المشاركة إلى منافسة، وتحول الحوار إلى معركة، وتحولت الحياة الزوجية إلى محاولة دائمة لإثبات من الأقوى.

أجمل البيوت ليست التي ينتصر فيها أحد الزوجين على الآخر، بل التي ينتصر فيها الاثنان على مشكلات الحياة.

ليست المشكلة في قوة المرأة… وإنما في تجاوز الحدود

من المهم جداً أن نفرق بين المرأة القوية والمرأة المتسلطة.

فالمرأة القوية قد تكون صاحبة رأي، وصاحبة شخصية، وناجحة في عملها، وقادرة على إدارة شؤون بيتها، وقد تكون أكثر تنظيماً من زوجها في بعض الأمور، وأكثر خبرة منه في بعض المجالات.

كل ذلك لا ينتقص من الرجل ولا يرفع المرأة مكانة.

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الرأي أمراً، والمشورة إلغاءً، والشراكة سيطرة، وحين تتعامل الزوجة مع زوجها وكأنه أحد أبنائها، فتأمره وتنهاه أمامهم، وتراجعه في كل صغيرة وكبيرة، وتحرجه أمام أهله وأهلها، ثم لا تترك له موقفاً يستطيع فيه أن يكون أباً وزوجاً وصاحب مسؤولية.

وهنا لا تكون المشكلة في قوة الشخصية، وإنما في إساءة استعمالها.

المرأة العظيمة لا تحتاج إلى إلغاء الرجل حتى تثبت قوتها.

ومن المؤلم أن بعض البيوت يصل فيها الأمر إلى أن الأبناء لا يرون في أبيهم صاحب قرار، لأن الأم سبقت إلى كل قرار، وتحدثت في كل موقف، وردت على كل كلمة، وحسمت كل أمر.

ومع مرور السنوات، يتعلم الأبناء شيئاً خطيراً من غير أن يشعروا:

أن صوت الأب يمكن تجاهله.

وأن رأيه قابل للنقض في كل لحظة.

وأن احترامه ليس أمراً مهماً.

وهذا لا يضر الرجل وحده، بل يضر الأسرة كلها.

فليس الرجل خصماً للمرأة، وليس من الصحيح أن ننظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة داخل البيت باعتبارها معركة حقوق.

فحين تكسب الزوجة كل معركة ضد زوجها، قد تخسر بيتها دون أن تشعر.

وحين ينتصر الرجل بإهانة زوجته وقهرها، فإنه لا يكون قد انتصر، بل خسر معنى الرجولة الحقيقي.

الإسلام لم يبنِ الأسرة على القهر، وإنما على السكن والمودة والرحمة.

قال الله سبحانه وتعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19].

وقال النبي ﷺ:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» رواه الترمذي.

فكما أن الرجل مأمور بأن يحسن إلى زوجته، فالمرأة كذلك مأمورة بأن تعرف لزوجها قدره، وألا تجعل الحياة الزوجية ميداناً لإلغاء شخصيته.

احترام الرجل لا يعني ظلم المرأة، وإعطاء الرجل مكانته لا يعني سلب المرأة مكانتها.

والمرأة حين تحترم زوجها لا تخسر شيئاً من كرامتها، في كما أن الرجل حين يحترم زوجته لا يفقد شيئاً من رجولته.

هناك فرق بين «المرأة الحديدية» و«المرأة المتسلطة»

وهنا نصل إلى وصف كثيراً ما نتداوله: “المرأة الحديدية”.

ولكن ينبغي أن نكون أكثر دقة في استخدام هذا الوصف.

فالمرأة التي فقدت زوجها، ثم وقفت وحدها في مواجهة الحياة، وربت أبناءها، وأنفقت عليهم، وكافحت من أجل تعليمهم، ولم تستسلم للظروف، حتى خرج من بيتها الطبيب والمهندس والمعلم والعالم والضابط والمبتكر والإعلامي وغيرهم، ثم واصلت نجاحها في عملها وخدمة مجتمعها…

هذه امرأة تستحق الاحترام والتقدير.

إنها لم تكن «حديدية» لأنها تسلطت على أحد، وإنما لأنها كانت قوية أمام قسوة الحياة.

القوة هنا كانت في الصبر.

وفي التضحية، وفي تحمل المسؤولية، وفي الإصرار على ألا يسقط الأبناء بسقوط الظروف.

وهناك نساء كثيرات سجلن نجاحات عظيمة في ميادين العلم والعمل والمجتمع، وكن نماذج مشرقة في الجد والاجتهاد والعطاء.

فلا ينبغي أن نخلط بين امرأة صنعت من المحنة قوة، وامرأة جعلت من القوة وسيلة للسيطرة على الآخرين.

الأولى جديرة بالإعجاب.

أما الثانية فتحتاج إلى مراجعة نفسها.

للزوجة رأي… وللزوج قرار في مواضع المسؤولية

ليس المقصود أن يعيش الرجل في بيته كحاكم مستبد، يصدر الأوامر ولا يسمع أحداً.

فمن أجمل ما في الحياة الزوجية أن يتشاور الزوجان.

والقرآن نفسه أثنى على التشاور..

فقال الله سبحانه وتعالى:
(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [الشورى: 38].

والتشاور لا يعني أن الرجل يفقد مكانته، كما أن أخذ رأي الزوجة لا يعني أن الرجل أصبح بلا شخصية.

بل إن الرجل الحكيم هو الذي يسمع زوجته، ويقدر رأيها، وقد يأخذ به إذا رآه صواباً.

لكن هناك مواقف تحتاج إلى حسم، وقرارات تمس الأسرة والأبناء، وأمور لا يصح أن يظل فيها الجميع في حالة صراع دائم على من يفرض كلمته.

وفي مثل هذه المواقف يجب أن يكون للرجل حضوره ومسؤوليته ومكانته.

ليس لأنه أفضل من المرأة في كل شيء، ولا لأن المرأة لا رأي لها، وإنما لأن الشريعة جعلت عليه مسؤولية القوامة والرعاية.

الطاعة في المعروف لا تعني إلغاء العقل، كما أن الشورى لا تعني إلغاء المسؤولية.

ومن القضايا التي يجب ألا تُغفل في هذا السياق: علاقة الأبناء بأبيهم.

فإذا كان الأب مسؤولاً عن أسرته، قائماً على رعايتها، ساعياً في مصلحتها، فإن من حقه على أبنائه أن يحترموه، وأن يسمعوا توجيهه، وأن يطيعوه في المعروف، وألا يعقوه أو يسيئوا إليه أو يتعمدوا إغضابه وإهانته.

فالبر بالوالدين ليس خاصاً بالأم وحدها.

قال الله سبحانه وتعالى:
(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: 23].

وقال الله سبحانه وتعالى:
(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) [العنكبوت: 8].

وطاعة الأبناء لوالدهم تكون في المعروف، فيما فيه خير وصلاح، وليست طاعة مطلقة في المعصية؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول اختلاف الأبناء مع أبيهم إلى عقوق، ولا أن يصبح رفع الصوت عليه أمراً عادياً، ولا أن يُستهان بكلامه أو يُتعمد جرحه وإغضابه.

حين يسقط احترام الأب في عيون أبنائه، لا يسقط رجل واحد فقط، بل تهتز صورة الأسرة في نفوس جيل كامل.

ومن الخطأ أن تسمع الأم أبناءها عبارات تقلل من شأن أبيهم، أو أن تجيب عنه دائماً، أو أن تجعلهم يرون أن كلمته لا قيمة لها.

فإذا أرادت الأم أن تربي أبناءها على البر، فعليها أن تعلمهم أن للأب حقاً عظيماً في الاحترام والإحسان والطاعة في المعروف، كما أن للأم حقاً عظيماً كذلك.

وعندما يختلف الأب مع أحد أبنائه، فليس من الحكمة أن تسارع الأم إلى إلغاء الأب أمام الابن، أو أن تجعل الابن يشعر أن الوقوف مع الأب ضعف أو ظلم.

بل يمكنها أن تنصح وتوضح وتهدئ، دون أن تهدم مكانة الأب في نفوس أبنائه.

لا تجعلوا أبناءكم شهوداً على صراع بينكم، ولا تجعلوا محبتهم لأحد الوالدين مشروطة بكره الآخر.

فالأب ليس منافساً للأم، والأم ليست منافسة للأب.

والابن الذي يتعلم احترام والديه، والاستماع إليهما، والاعتذار عند الخطأ، وخفض صوته أمامهما، إنما يتعلم في الحقيقة أدب الحياة كله.

وأخطر ما يحدث أمام الأبناء، وربما لا يدرك الزوجان حجم الضرر الذي يصنعانه حين يتصارعان أمام أبنائهما… فحين ترى البنت أمها تهين أباها، قد تتعلم أن احترام الزوج أمر ثانوي.

وحين يرى الابن أمه تلغي أباه في كل موقف، قد يفقد تدريجياً احترامه لأبيه.

وفي المقابل، حين يرى الأبناء أن أباهم يهين أمهم أو يسلبها رأيها، يتعلمون أن القوة تعني القهر.

وهكذا ينتقل الخطأ من جيل إلى جيل.

إن احترام الأب أمام الأبناء ليس مجرد مجاملة للرجل، وإنما هو جزء من التربية.

واحترام الأم أمام الأبناء ليس مجاملة للمرأة، وإنما هو أيضاً جزء من التربية.

فالبيت الذي يتعلم فيه الأبناء أن الاختلاف يمكن أن يكون بأدب، وأن لكل من الأب والأم مكانته، وأن القرار لا يُنتزع بالصوت العالي، هو بيت يخرج أبناء أكثر اتزاناً ونضجاً.

واحترام الرجل لا يكون بإهانة المرأة، واحترام المرأة لا يكون بإلغاء الرجل.

بل إن احترام الوالدين معاً من أعظم ما يمكن أن يتعلمه الأبناء داخل البيت

والرجل الواثق لا يزعجه من أن يكون هناك امرأة لها رأي، لكنه لا يقبل أن يتحول بيته إلى مملكة لا وجود له فيها.

وليس كل صوت مرتفع دليلاً على القوة، وليس كل صمت دليلاً على الضعف.

والقوامة مسؤولية، وليست تسلطاً.

والمرأة العظيمة لا تحتاج إلى إلغاء الرجل حتى تثبت قوتها.

والطاعة في المعروف لا تعني إلغاء العقل، كما أن الشورى لا تعني إلغاء المسؤولية.

وأجمل البيوت ليست التي ينتصر فيها أحد الزوجين على الآخر، بل التي ينتصر فيها الاثنان على مشكلات الحياة.

فحين يسقط احترام الأب في عيون أبنائه، لا يسقط رجل واحد فقط، بل تهتز صورة الأسرة في نفوس جيل كامل.

والمرأة التي تقف إلى جوار زوجها ترفعه، والزوج الذي يحفظ مكانة زوجته يرفعها، أما من يحاول كل يوم أن ينتصر على شريكه، فقد يكتشف يوماً أنه انتصر في الخلاف وخسر الإنسان.

فليس المطلوب أن تعود المرأة إلى الوراء، ولا أن تتخلى عن نجاحها أو شخصيتها أو علمها أو عملها أو حقوقها التي حفظها لها الإسلام.

وليس المطلوب كذلك أن يعيش الرجل في بيته متسلطاً، لا يسمع إلا صوته، ولا يرى إلا رأيه… المطلوب أبسط وأعمق من ذلك كله:

أن يعرف كل واحد منهما قدره، ويحفظ للآخر قدره.

أن تتكلم المرأة دون أن تلغي الرجل.

وأن يتخذ الرجل القرار دون أن يهين المرأة.

أن تتشاور الزوجة مع زوجها، وأن يستمع الزوج إلى زوجته.

أن يعرف الأبناء أن لأمهم مكانة عظيمة، وأن لأبيهم مكانة عظيمة.

وأن يبر الأبناء والديهم، ويطيعوهما في المعروف، ويخفضوا لهما جناح الاحترام، وألا يجعلوا الخلاف سبباً للعقوق أو رفع الصوت أو الإهانة.

فالبيت الذي تُحفظ فيه مكانة الأب والأم، هو البيت الذي يتعلم فيه الأبناء معنى البر.

وإن الرجل الذي يستسلم دائماً أمام زوجته ليس هو النموذج الذي نريده، كما أن المرأة التي تخالف دائماً زوجها ليست النموذج الذي يريده الإسلام.

نحن نريد بيتاً فيه رجل يحترم زوجته، وامرأة تحترم زوجها، وأبناء يرون أمامهم نموذجاً حقيقياً للمودة والرحمة والاحترام.

فإذا كان الله قد جعل الزواج سَكناً ومودة ورحمة، فلا تجعلوه ساحة لإثبات السيطرة.

وإذا كان الرجل راعياً ومسؤولاً عن أهل بيته، فلا تسلبوه حضوره ثم تطالبوه بالمسؤولية.

وإذا كانت المرأة شريكة في بناء الأسرة، فلا تجعلوا شراكتها سبباً في إلغاء شريكها.

وإذا كان الأب والأم نعمة عظيمة في حياة الأبناء، فلا تجعلوا الخلافات الأسرية باباً للعقوق أو الجفاء أو كسر هيبة الوالدين في نفوس أبنائهما.

فالرجولة ليست أن يقهر الرجل المرأة، والأنوثة ليست أن تقهر المرأة الرجل.

إنما الرجولة أن يحمل الرجل مسؤوليته بأمانة، والمرأة أن تحمل دورها بوعي وكرامة، والأبناء أن يعرفوا حق والديهم، وأن يلتقي الجميع عند ما هو أعظم من كرامة أحدهم:

كرامة البيت، وسلام الأسرة، وصلاح الأبناء، ورضا الله.

وفي البيوت التي يسكنها الاحترام، لا يحتاج الرجل إلى أن يرفع صوته ليُسمع، ولا تحتاج المرأة إلى أن تفرض نفسها لتُحترم.

ويتعلم الأبناء أن قوة الأسرة ليست في أن يخضع أحد لأحد، وإنما في أن يعرف كل فرد فيها حقه وواجبه.

يكفي أن يعرف كل منهما أن الآخر أمانة.

وحين يعرف الزوجان ذلك، يصبح صوت الرجل مسموعاً دون قسوة، وصوت المرأة مسموعاً دون تسلط، ويصبح الأب محترماً في عيون أبنائه دون أن يهينهم، وتصبح الأم مكرمة في نفوسهم دون أن تنتقص من مكانة أبيهم.

وتصبح الأسرة مكاناً لا يبحث فيه أحد عن منتصر…

لأن الجميع فيه منتصرون بالمحبة والرحمة والاحترام والبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى