الرأي والمقالات

نافذة على بلادى ولاية كسلا

ولاية كسلا.. درة الشرق السوداني بين جمال الطبيعة وعبق التاريخ

عباس الماحى
نقطة سطر جديد
نافذة على بلادى
ولاية كسلا

**********

حين يتأمل الإنسان هذا الكون الفسيح، يقف مبهورًا أمام عظمة الخالق سبحانه وتعالى، الذي أبدع في صنعه وأحسن في خلقه؛ فالجبال الشامخة، والأنهار الجارية، والسهول الممتدة، والأشجار الوارفة، كلها آيات ناطقة بجمال الصنعة الإلهية وروعة التكوين الرباني.

وفي كل بقعة من أرض السودان تتجلى هذه الروائع الطبيعية بصورة خاصة، غير أن ولاية كسلا تظل واحدة من أجمل اللوحات التي رسمتها يد القدرة الإلهية؛ حيث تلتقي الجبال بالوديان، وتتجاور الخضرة مع زرقة السماء، وتنساب المياه في مجاريها، وتحتضن البساتين المدن والقرى، في مشهد يأسر القلوب ويبعث في النفوس السكينة والجمال.

إنها ولاية كسلا… درة الشرق السوداني، وواحدة من أكثر ولايات الوطن تميزًا بطبيعتها الساحرة، وتنوعها الثقافي، وموقعها الاستراتيجي. وهي أرض تبدو في كل تفاصيلها وكأنها قصيدة من الجمال كتبتها الطبيعة على صفحات الشرق؛ فالجبال الشامخة، والسهول الرحبة، والوديان الموسمية، والبساتين الوارفة، ونهر القاش، كلها تشكل لوحة متفردة تجمع بين سحر الطبيعة وعبق التاريخ وثراء الإنسان.

تمثل ولاية كسلا نموذجًا فريدًا للتنوع الثقافي والجغرافي، وتعد واحدة من أهم ولايات السودان وأكثرها ثراءً وتنوعًا. فقد منحتها الطبيعة مزيجًا نادرًا من الجبال والسهول والوديان والبساتين، حتى غدت من أكثر مناطق السودان قدرة على أسر عين الزائر وقلبه.

وتتميز الولاية كذلك بتعدد القبائل والثقافات، وتمثل البوابة الشرقية للوطن الحبيب نحو دولة إريتريا وشرق إفريقيا، الأمر الذي أكسبها أهمية اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة عبر التاريخ.

تقع ولاية كسلا في الجزء الشرقي من سوداننا الحبيب، وتحدها ولاية البحر الأحمر من الشمال الشرقي، وولاية نهر النيل من الشمال الغربي، وولاية القضارف من الجنوب، ودولة إريتريا من الشرق، وولاية الخرطوم من الغرب. وتبلغ مساحتها نحو 36,700 كيلومتر مربع، وتبعد عن العاصمة الخرطوم حوالي 480 كيلومترًا.

ويُقدَّر عدد سكانها بحوالي 2,500,000 نسمة وفق تقديرات عام 2018م، ومن المؤكد أن هذا العدد قد ازداد خلال السنوات اللاحقة بفعل النمو السكاني المستمر. وبها عدد من المحليات، هي: كسلا، وريفي كسلا، وريفي غرب كسلا، وحلفا الجديدة، ونهر عطبرة، وخشم القربة، وشمال الدلتا، وأروما، وهمشكوريب، وتلكوك، وود الحليو. ويتركز أغلب السكان في مدن كسلا، وحلفا الجديدة، وخشم القربة، وأروما، وتلكوك، وهمشكوريب.

ويتميز مجتمع الولاية بتنوعه العرقي والثقافي الكبير، حيث تعيش فيه مجموعات قبلية متعددة، أبرزها الهدندوة، والحلنقة، والبني عامر، والحباب، والرشايدة، والهوسا، والشكرية، والفادنية، والنوبة، والحلفاويون، والشايقية، والرباطاب، وغيرهم من القبائل التي تعايشت في وئام وانسجام عبر قرون طويلة، لتشكل معًا فسيفساء اجتماعية زاهية الألوان، تعكس روح السودان المتسامحة وتاريخه العريق.

ولا تقتصر أهمية ولاية كسلا على جمال طبيعتها وتنوعها الثقافي فحسب، بل تمتد جذورها عميقًا في صفحات التاريخ السوداني القديم. فقد ظلت منطقة شرق السودان، التي تقع فيها كسلا، معبرًا مهمًا للحضارات والشعوب منذ آلاف السنين، بحكم موقعها الذي يربط الوطن بسواحل البحر الأحمر وبلاد القرن الإفريقي.

وترتبط المنطقة تاريخيًا بالحضارة الكوشية العظيمة التي ازدهرت في السودان القديم، حيث كانت مملكتا نبتة ومروي من أبرز مراكزها، وتمثلان إحدى أعرق الحضارات الإفريقية. وقد أسهمت طرق التجارة القديمة التي كانت تمر بشرق السودان في ربط مراكز الحضارة الكوشية بالموانئ والأسواق الواقعة على البحر الأحمر، مما جعل المنطقة جزءًا من شبكة اقتصادية وثقافية واسعة امتدت آثارها إلى أجزاء كبيرة من القارة الإفريقية والشرق الأدنى.

كما كشفت الدراسات الأثرية عن وجود استيطان بشري قديم في مناطق متعددة بشرق السودان، الأمر الذي يؤكد أن هذه الأرض كانت مأهولة منذ عصور سحيقة، وشهدت تفاعلات حضارية متواصلة بين سكان وادي النيل والقبائل المحلية والمجموعات القادمة من مناطق البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

وخلال العصور الوسطى، لعبت المنطقة دورًا مهمًا في حركة القوافل التجارية والهجرات البشرية، حيث كانت نقطة التقاء بين الثقافات العربية والإفريقية، وأسهمت هذه التفاعلات في تشكيل الهوية الثقافية المميزة لولاية كسلا، التي ما زالت آثارها واضحة في العادات والتقاليد واللهجات والتراث الشعبي.

وفي القرن التاسع عشر، اكتسبت ولاية كسلا أهمية سياسية واقتصادية متزايدة، وأصبحت مركزًا إداريًا وتجاريًا مهمًا في شرق السودان، كما شهدت مدينة كسلا أحداثًا تاريخية بارزة خلال فترة الحكم التركي المصري والثورة المهدية، ثم خلال فترة الحكم الثنائي، مما جعلها شاهدًا على محطات مهمة من تاريخ السودان الحديث.

إن تاريخ ولاية كسلا ليس مجرد سرد للأحداث والوقائع، بل هو امتداد لمسيرة حضارية طويلة بدأت منذ فجر التاريخ، وتعززت عبر القرون بالتبادل التجاري والثقافي والتعايش بين الشعوب. ولذلك تمثل الولاية اليوم حلقة مهمة في سلسلة الحضارة السودانية العريقة التي بدأت مع كوش واستمرت عبر الأجيال، محافظةً على إرثها التاريخي ومكانتها المتميزة في وجدان الوطن.

ويمتهن سكان الولاية الزراعة والبستنة والرعي، وتعد الزراعة عصب الحياة الاقتصادية فيها. ومن أهم المحاصيل الزراعية: الذرة، والسمسم، والقطن، والفول السوداني، والبصل، والخضروات المختلفة، إلى جانب القمح في بعض المشاريع الزراعية.

كما تشتهر الولاية بإنتاج الفواكه المتنوعة، مثل المانجو والجوافة والحمضيات، التي تضفي على أسواقها عبقًا خاصًا ونكهة مميزة، وتمنح بساتينها ألوانًا زاهية تزيد طبيعتها جمالًا وبهاءً.

وتعتمد الزراعة بصورة أساسية على مياه نهر القاش، ذلك النهر الموسمي الذي ظل لعقود طويلة شريان الحياة النابض في الولاية، إضافة إلى مشروع حلفا الجديدة ومياه الأمطار الموسمية التي تكسو الأرض بالخضرة وتبعث فيها الحياة بعد مواسم الجفاف.

ويعمل عدد كبير من السكان في تربية الإبل والأبقار والأغنام والماعز، وتشتهر القبائل الرعوية في مناطق البطانة وشمال الولاية بهذا النشاط الذي يمثل جزءًا أصيلًا من تراثها وثقافتها. وفي مواسم الخريف، تتحول المراعي إلى بساط أخضر ممتد، فتنتشر قطعان الماشية في مشهد يعكس التلاحم العميق بين الإنسان والأرض.

كما تنشط التجارة الحدودية وتبادل السلع مع دولة إريتريا ودول القرن الإفريقي، مستفيدة من الموقع الجغرافي المتميز للولاية. كما توجد بها عدد من الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي، مثل حلج القطن، ومعاصر الزيوت، وصناعة الصابون، إضافة إلى الصناعات الغذائية المختلفة.

تمتلك ولاية كسلا مقومات سياحية فريدة تجعلها من أبرز الوجهات السياحية في السودان، وخاصة مدينة كسلا التي اشتهرت بجبال التاكا وجبل توتيل، تلك التحف الطبيعية التي تقف شامخة في الأفق كحراس للجمال والتاريخ.

وتتجلى روعة كسلا بصورة خاصة عند سفوح الجبال وبين البساتين؛ حيث تتناثر الأشجار الوارفة، وتنساب المياه الموسمية، وتتداخل ألوان الطبيعة بين اخضرار الأرض وذهبية الرمال وزرقة السماء. أما جبال التاكا، فتمنح المدينة شخصية بصرية لا تشبه سواها، وكأنها تاج طبيعي يحيط بالحاضرة ويمنحها هيبة وجلالًا.

ويأتي نهر القاش ليكمل هذه اللوحة الساحرة؛ فهو ليس مجرد مجرى موسمي، بل جزء من ذاكرة المكان وحياة الإنسان الكسلاوي، ومصدر من مصادر الزراعة والجمال والحكايات التي تناقلتها الأجيال.

وعندما تشرق الشمس على سفوح التاكا، أو تغيب خلف قممها المهيبة، تبدو كسلا وكأنها لوحة فنية نابضة بالحياة، تتغير ألوانها مع ساعات النهار، بينما تتناثر البساتين الخضراء حولها كعقد من الزمرد يزينها.

وفي لياليها الهادئة، حين تتلألأ النجوم فوق الجبال، وتنساب نسمات المساء بين الأشجار، يشعر الزائر أن المكان يمتلك لغة خاصة لا تحتاج إلى ترجمان؛ لغة من الجمال والسكينة والدفء الإنساني. ولذلك ظلت كسلا مصدر إلهام للشعراء والأدباء والفنانين، الذين وجدوا في طبيعتها الساحرة معينًا لا ينضب من الجمال والإبداع.

وإذا كانت ولاية كسلا قد حباها الله بهذه الطبيعة الفريدة وهذا التنوع الإنساني والثقافي، فإنها اليوم تشهد حراكًا ملحوظًا ومجهودات لافتة في مختلف المجالات، في صورة تعكس الرغبة في النهوض بالولاية وتعزيز قدراتها وخدمة إنسانها.

ويبرز في هذا السياق ما تشهده الولاية هذه الأيام من حركة متواصلة في عدد من الملفات والمجالات، وما تبذله مؤسسات حكومة الولاية من جهود في سبيل معالجة القضايا الملحة، وتحريك عجلة العمل، ودعم الخدمات، والاهتمام بالإنتاج، وتعزيز الاستقرار، بما يتناسب مع حجم التحديات والمسؤوليات التي تفرضها المرحلة.

ويُحسب لحكومة الولاية أن هذا الحراك يجري في إطار من الانسجام والتنسيق في الأداء، بما يؤكد وجود روح عمل مشتركة بين مؤسساتها وأجهزتها المختلفة، ويعكس وضوحًا في اتجاهات العمل وأولوياته.

ويأتي ذلك تحت قيادة والي ولاية كسلا المكلف، اللواء الركن معاش الصادق محمد الأزرق، الذي يضطلع بمسؤولية قيادة الولاية في مرحلة بالغة الحساسية، تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة والصبر والقدرة على إدارة الملفات المتعددة، والعمل على توحيد الجهود وتسخير إمكانات الولاية لخدمة مواطنيها.

إن ما تشهده كسلا من حراك ومجهودات في هذه الأيام يستحق الإشادة والتقدير، لا باعتباره نهاية المطاف، وإنما بوصفه خطوة مهمة في طريق طويل نحو بناء واقع أفضل، وتعزيز التنمية والاستقرار، والاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها الولاية.

فالولاية التي تمتلك هذا الموقع الاستراتيجي، وهذه الموارد الزراعية والحيوانية، وهذا التنوع الثقافي، وهذه المقومات السياحية النادرة، تستحق أن تتضافر جهود الجميع من أجل إطلاق طاقاتها الكامنة، وتحويل مقوماتها الطبيعية والبشرية إلى فرص حقيقية للنمو والازدهار.

ومن هنا، فإن الانسجام في أداء حكومة الولاية، وتكامل الأدوار بين مؤسساتها، واستمرار الحراك في الملفات المختلفة، كلها مؤشرات تبعث على الأمل في أن تمضي ولاية كسلا بثبات نحو مستقبل يليق بمكانتها وتاريخها وإنسانها.

تبقى ولاية كسلا واحدة من أجمل درر الوطن وأكثرها تميزًا، بما حباها الله من طبيعة آسرة، وتنوع بشري وثقافي ثري، وموقع استراتيجي مهم.

فهي ليست مجرد ولاية على خارطة الوطن، بل قصة جمال ترويها الجبال، وأنشودة حياة يعزفها نهر القاش، ولوحة وطنية تتجسد فيها قيم التعايش والعمل والعطاء.

وهي في الوقت ذاته أرض تمتلك مقومات اقتصادية وزراعية وسياحية كبيرة، وتحتضن شعبًا عُرف بالصبر والكرم والأصالة والارتباط العميق بأرضه وتراثه.

وما بين جمال الطبيعة وحكايات التاريخ، وما بين حركة الإنسان وإرادة البناء، تقف ولاية كسلا اليوم أمام فرصة حقيقية لصناعة مستقبل أكثر إشراقًا، مستندة إلى إرثها العريق وإمكاناتها الكبيرة، وإلى ما تبذله حكومة الولاية ومؤسساتها من جهود في سبيل النهوض بها.

وستظل ولاية كسلا، رغم تعاقب السنين وتبدل الأحوال، رمزًا للجمال الشرقي الأصيل، ومنارةً تشع بتاريخها وتراثها وطبيعتها الخلابة، وشاهدًا على عظمة الخالق وإبداعه في خلق هذا الكون البديع.

وسيظل الأمل معقودًا على أن تتكامل جهود الحكومة

لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك 

 

تابع آخر المستجدات والأخبار العاجلة عبر قناة بصيرتي برس على واتساب 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى