الرأي والمقالات

​”عن أمانة المنصب، وغياب الشفافية، وكواليس المبادرات المعطلة في ولاية نهر النيل.. رسائل صريحة للوالي د. محمد البدوي عبد الماجد.”

عباس الماحى عن د. محمد البدوي عبد الماجد

عباس الماحى

نقطة سطر جديد

لا يصح إلا الصحيح

رسائل صريحة للوالي د. محمد البدوي عبد الماجد


قد ينجح الإنسان في إقناع الآخرين بوجهة نظره، وقد يتمكن أحيانًا من إقناع نفسه بأن ما يفعله مبرر، لكن الواقع يبقى ثابتًا لا يتغير، مهما أحطناه بالأعذار أو زيّناه بالكلمات. فهناك مبدأ خالد لا يتبدل: لا يصح إلا الصحيح.


كثيرًا ما نقف عند مفترق طرق، فنختار طريقًا نعلم في أعماقنا أنه ليس الأنسب، ثم نبدأ رحلة طويلة في البحث عن المبررات… نحمل الظروف المسؤولية، ونلقي اللوم على الواقع، ونختلق الأسباب التي تجعل الخطأ يبدو صوابًا… لكن صوت الضمير لا يصمت، وصوت العقل لا يغيب، بل يظل حاضرًا يذكرنا بأن الحق لا يتغير لأننا تجاهلناه.


فالخطأ لا يتحول إلى صواب بكثرة المبررات، كما أن الصواب لا يفقد قيمته لأن البعض تجاهله.


قد نؤجل الاعتراف، وقد نكابر، وقد نستمر في الدفاع عن قرارات ندرك في قرارة أنفسنا أنها لم تكن صائبة، لكن الزمن يملك قدرة عجيبة على كشف الوقائع وإزالة الأقنعة. وكلما طال الطريق، ازداد وضوح الصواب، حتى نجد أنفسنا نعود إلى النقطة التي حاولنا الابتعاد عنها، ونعترف بأن الطريق السليم كان واضحًا منذ البداية.


إن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، بل هو انتصار للعقل على العناد، وللحكمة على الكبرياء…فالإنسان الناجح ليس من لا يخطئ، وإنما من يمتلك شجاعة المراجعة، ويؤمن بأن تصحيح الخطأ فضيلة، وأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.


ومن هنا تأتي قيمة الشورى، فهي ليست مظهرًا إداريًا أو بروتوكولًا رسميًا، وإنما منهج للحكم الرشيد والإدارة الناجحة.


فالمسؤول، مهما بلغت خبرته، لا يستغني عن الرأي الآخر، ولا يخسر شيئًا إذا استمع إلى النصح، بل يزداد احترامًا وقوة. وقد علمتنا التجارب أن القرار الذي يولد من التشاور والدراسة يحظى بقبول الناس، ويكون أكثر حكمة وأقرب إلى تحقيق المصلحة العامة.


ومن يستغنِ عن الشورى، قد يربح قرارًا مؤقتًا، لكنه يخسر ثقة الناس على المدى البعيد.
كما أن قبول النقد البنّاء لا يقل أهمية عن اتخاذ القرار نفسه، فليس كل من يخالفك الرأي خصمًا، وليس كل من يلفت الانتباه إلى موطن خلل يسعى للإساءة، بل قد يكون أكثر الناس حرصًا على نجاحك، لأن نجاح المسؤول هو نجاح للمؤسسة، ونجاح للمواطن، ونجاح للوطن.


ومن هذا المنطلق، فإن الإعلام عندما يكتب عن أوجه القصور أو يطرح التساؤلات، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره في خصومة مع مسؤول أو جهة، فالإعلام لا يصنع العداوات، وإنما يؤدي رسالته في خدمة المواطن والوطن… والكلمة الصادقة ليست معول هدم، بل وسيلة للإصلاح، وتصويب المسار، وتعزيز الشفافية، ومساندة كل جهد مخلص يسعى إلى التنمية.
الإعلام المسؤول لا يكتب ليهدم الأشخاص، وإنما ليبني المؤسسات، ويجعل المسؤول أقرب إلى المواطن، والقرار أقرب إلى الصواب.


ولابد هنا من تسليط الضوء على ولاية نهر النيل، تلك الولاية التي أنعم الله عليها بثروات طبيعية هائلة؛ فهي تزخر بالمعادن، والأراضي الزراعية الخصبة، والطبيعة الساحرة، والثروة الحيوانية، فضلًا عن حضارة ضاربة في جذور التاريخ، ومواقع أثرية وسياحية تجعلها من أكثر ولايات السودان امتلاكًا لمقومات التنمية.


ورغم كل هذه الإمكانات، ما زالت الولاية تعاني من قصور واضح في الخدمات الأساسية…فالطرق الرابطة بين محلياتها السبع تفتقر إلى الصيانة، أما الطرق الداخلية في المدن فحالها معلوم للمواطنين، وكأن المسؤولين يسيرون في طرق لا تعكس الواقع الذي يعيشه الناس.


تابعت مؤخرًا القرارات التي أصدرها الأخ والي ولاية نهر النيل، الدكتور محمد البدوي عبد الماجد، والذي أعلن قبلها أن كل مسؤول لا ينجح في أداء مهامه سيُعفى من منصبه، وهو مبدأ يستحق التقدير إذا ارتبط بمعايير واضحة وشفافة.


غير أن ما حدث يثير العديد من التساؤلات، إذ جاءت الإعفاءات والتعيينات بصورة تشبه ما حدث في تجارب سابقة، حيث تبدلت المواقع وبقيت الأسماء نفسها، وكأننا أمام إعادة توزيع للأدوار أكثر من كونها تجديدًا للدماء. وهذا ما يجعل المواطن يتساءل عن الأسس التي بُنيت عليها تلك القرارات، خاصة أنها شملت وزارات محورية مثل الاستثمار، والبنى التحتية والتخطيط العمراني، والزراعة.


وإذا كان من حق القيادة التنفيذية اختيار معاونيها، فإن من حق المواطن أيضًا أن يطمئن إلى أن معيار الاختيار هو الكفاءة، والخبرة، والنزاهة، لا العلاقات الشخصية أو الانتماءات الضيقة.


فالمناصب العامة ليست مكافآت تُمنح، وإنما أمانات تُؤدَّى، ولا تُقاس قيمة المسؤول بقربه من صاحب القرار، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الناس.
ويظل المبدأ الذي لا يختلف حوله اثنان هو: الرجل المناسب في المكان المناسب. فنجاح أي حكومة يبدأ من حسن الاختيار، لا من كثرة التغييرات…أما حين تتقدم العلاقات على الكفاءات، فإن أول الخاسرين هو المواطن.


ويزداد هذا الأمر أهمية في الوزارات ذات الصلة المباشرة بحياة المواطنين، وعلى رأسها وزارة الصحة، التي ترتبط بحياة الإنسان وسلامته وحقه في العلاج الكريم. فهذه المؤسسات تحتاج إلى قيادات تمتلك المهنية والخبرة والرؤية والقدرة على اتخاذ القرار، لأن أي خطأ في الاختيار قد يدفع ثمنه المواطن البسيط قبل غيره، ولذلك فإن المهنية في التعيين ليست مطلبًا إداريًا فحسب، بل ضرورة وطنية تفرضها المصلحة العامة.


ومن حق مواطني الولاية أن يعرفوا الأسباب والدوافع، فالإدارة الرشيدة تقوم على الشفافية، وكلما كانت المعلومات متاحة، تراجعت الشائعات، وساد الاطمئنان.


وكنت قد اقترحت عبر فضائية نهر النيل إقامة لقاء شهري مفتوح بين الوالي وأبناء الولاية، يعرض فيه ما تم إنجازه، ويجيب عن التساؤلات المطروحة، ويستمع إلى الآراء والملاحظات…فالحوار المباشر يقطع الطريق أمام التأويلات، ويمنح الإعلام المعلومة الدقيقة، فلا تبقى الساحة مفتوحة للشائعات أو لمن يصطادون في المياه العكرة.


ومن واقع تجربتي خلال الأشهر التي أقمتها بمدينة عطبرة ام المدائن، التى ترعرعت فيها، التقيت بعدد من المسؤولين، وفي مقدمتهم الأخ الوالي، وقدمت مشروعًا متكاملًا لإنشاء صالة اقتصادية للبيع المخفض، بهدف توفير السلع الأساسية للمواطنين بأسعار مناسبة. وقد وجدت الفكرة قبولًا وترحيبًا من الوالي، الأمر الذي شجعني على نقل تجهيزات المشروع كاملة من الخرطوم إلى عطبرة تمهيدًا للتنفيذ.


لكنني فوجئت لاحقًا بأن المشروع لم يجد طريقه إلى التنفيذ، بعد أن رأت بعض الجهات المختصة عدم الحاجة إليه، بحجة أن الإدارة الاقتصادية تنظم فعاليات مشابهة بين الحين والآخر، رغم أن الموقع ظل غير مستغل لأكثر من خمس سنوات…والمفارقة أن لدي خطابًا رسميًا ضمن ملف اوراقى من إدارة الاقتصاد وحماية المستهلك يؤيد المبادرة ويؤكد فائدتها لمواطني الولاية.


كما تقدمت لجنة نهضة الحديد والنار، التي درجت على طرح مبادرات تخدم إنسان الولاية، والتي أتشرف فيها بمنصب أمين المال، ويتراسها الباشمهندس دكتور عمر محمد محمد نور، وامينها العام اللواء شرطة معاش احمد الشيخ دبورة، كما تضم اخوة ٱفاضل منهم الإعلامى الاستاذ كمال حامد وخبير التدريب الكابتن شوقى عبدالعزيز والمهندس حسب الرسول نعيم والأستاذ جمال مكاوى والأستاذ حسين حاكم شريف، بمبادرة لإنشاء مركز لتأهيل وعلاج الإدمان.
وتم تخصيص قطعة أرض للمشروع، إلا أن الإجراءات تعثرت، وتقلصت المساحة من ألفي متر مربع إلى ألف متر مربع، ولا ندري لماذا؟، ثم توقفت الخطوات دون مبررات واضحة، رغم الوعود التي تلقيناها، والجهود التي بذلناها ليبصر المشروع النور.


ولم تقف المبادرات عند هذا الحد، فقد تلقينا عروضًا من شركات وطنية للمساهمة في صيانة مداخل ومخارج الولاية، وتوفير سترات واقية لرجال الشرطة، إضافة إلى مبادرة لإنشاء صينية مرورية بأحد التقاطعات المهمة في شارع التحدي…وقد لاقت هذه المبادرات ترحيبًا في بدايتها كالعادة، لكنها اصطدمت لاحقًا بعقبات إدارية أنهكت أصحابها حتى توقفت.


وهنا لا أتحدث عن تجربة شخصية بقدر ما أتحدث عن واقع يتكرر مع كثير من أصحاب المبادرات…فالتنمية لا تقوم بالوعود وحدها، وإنما بسرعة الإنجاز، وتسهيل الإجراءات، وفتح الأبواب أمام كل من يريد أن يقدم شيئًا لوطنه.


فالوعود التي لا تتبعها أفعال تفقد قيمتها، والمبادرات التي تُقابل بالعراقيل تقتل روح العطاء، بينما الأوطان تنهض عندما نقول فنفعل، ونعد فنفي، ونكافئ المجتهد، ونحاسب المقصر.


إن المسؤول الناجح هو من يحيط نفسه بأصحاب الرأي، ويستمع إلى الإعلام، ويعتبر النقد فرصة للمراجعة والتطوير، لا سببًا للخصومة أو الحساسية…فالأوطان لا تُبنى بالصمت، وإنما بالحوار، والشورى، والشفافية، وتكامل الأدوار بين المسؤول والمواطن والإعلام.


ويبقى اليقين راسخًا بأن القرارات التي تُبنى على الدراسة، والشورى، والشفافية، والكفاءة في الاختيار، هي وحدها التي تصمد أمام اختبار الزمن وتحقق التنمية المنشودة…أما المجاملة، أو تغليب العلاقات على الكفاءة، فلن تقود إلا إلى مزيد من التعثر.


وهكذا تعلمنا الحياة، مهما اختلفت المواقف وتعددت التجارب، أننا قد نبتعد، وقد نلتف، وقد نؤخر الاعتراف، وقد ينتصر القرار بقوة المنصب، لكنه لا يكتسب شرعيته إلا عندما يقتنع به الناس، ويثبت نجاحه على ارض الواقع، لكننا سنعود في النهاية إلى الحق الذي لا يتغير… فلا يصح إلا الصحيح.

لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية ووالمقالات وكل جديد تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك

https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/

بصيرتي برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى