الرأي والمقالات

الإعلامي أحمد عباده يكتب :السودان بين الهوية والانتماء… عندما يصبح الوطن آخر الأولويات

السودان بين الهوية والانتماء… عندما يصبح الوطن آخر الأولويات
بقلم: الإعلامي أحمد عباده

السودان بين الهوية والانتماء… عندما يصبح الوطن آخر الأولويات
بقلم: الإعلامي أحمد عباده


لم أذهب إلى السودان سائحًا يبحث عن المناظر الطبيعية، ولم أذهب لأكتب كلمات مجاملة ترضي هذا الطرف أو ذاك، وإنما ذهبت لأرى الحقيقة كما هي، بعيدًا عن الشعارات، وبعيدًا عن العواطف.


خرجت من السودان وأنا أحمل سؤالًا واحدًا لا يفارقني:
كيف يمكن لبلدٍ يملك كل هذه الثروات أن يعيش كل هذا الحرمان؟


رأيت السودان الذي وهبه الله ما لم يهبه لكثير من الدول. رأيت النيل العظيم يشق الأرض، وأراضي زراعية تمتد بلا نهاية، وثروات معدنية، وموارد حيوانية، وشعبًا يملك من الكفاءات والعقول ما يكفي لصناعة نهضة حقيقية.


لكنني رأيت في المقابل طرقًا متهالكة، ومصانع صامتة، ومستشفيات تحتاج إلى إعادة بناء، ومطارات لا تعكس مكانة دولة بحجم السودان، ومدنًا تحتاج إلى التخطيط والتطوير، وكأن الزمن توقف فيها منذ سنوات طويلة.


وهنا أدركت أن مشكلة السودان ليست في نقص الإمكانات، وإنما في غياب المشروع الوطني الذي يجتمع حوله الجميع.


لقد سمعت كثيرًا من السودانيين يتحدثون بكل فخر عن الماضي، وعن الحضارات القديمة، وعن التاريخ، وعن البطولات، وعن السودان الذي كان يومًا سلة غذاء العالم.


لكن السؤال الذي لم أجد له إجابة هو:
ماذا أعددنا للمستقبل؟
فالماضي لا يبني طريقًا، ولا يفتح مصنعًا، ولا يعالج مريضًا، ولا يوفر فرصة عمل لشاب ينتظر الأمل.
الوطن لا يعيش على الذكريات، بل يعيش على العمل.


وأكثر ما أثار دهشتي أنني رأيت السوداني خارج السودان يعمل بإخلاص، ويبدع، ويلتزم، ويحقق النجاح، حتى أصبح محل تقدير في دول كثيرة.
لكن عندما يعود إلى وطنه، يتراجع العطاء، وتضعف الحماسة، وكأن السودان لا يستحق منه ما يمنحه لغيره.


لماذا؟
لماذا نبذل كل طاقاتنا لبناء أوطان الآخرين، بينما نبخل بها على وطننا؟
أليس السودان أولى بهذه الجهود؟
ولماذا يتحول كثير من النقاش بين السودانيين إلى خلافات حول الأشخاص، والقبائل، والانتماءات، بينما يظل الوطن هو الخاسر الأكبر؟


إن الأمم لا تنهض عندما ينتصر الأفراد لأنفسهم، وإنما تنهض عندما ينتصر الجميع للوطن.
لقد جبت مدنًا سودانية عديدة، وكل مدينة كانت تقول شيئًا واحدًا:


نحن بحاجة إلى التنمية أكثر من حاجتنا إلى الكلام.


كل شارع يحتاج إلى تطوير.
كل مستشفى يحتاج إلى تحديث.
كل مصنع يحتاج إلى أن يعود للحياة.
كل مدرسة تحتاج إلى دعم.
كل مطار يحتاج إلى أن يكون واجهةً لدولة تطمح للمستقبل.


وكل شاب سوداني يحتاج إلى فرصة ليصنع وطنه بدلًا من أن يبحث عن وطن آخر.


إن السودان لا يحتاج فقط إلى الأمن والاستقرار، فالأمن هو البداية وليس النهاية.
السودان يحتاج إلى ثورة في الفكر.


يحتاج إلى ثقافة جديدة تجعل قيمة الإنسان بما يقدمه لوطنه، لا بما يقوله عنه.


ويحتاج إلى أن يتحول حب الوطن من قصيدة تُلقى في المناسبات إلى عمل يُرى في الشارع، وفي المصنع، وفي الجامعة، وفي الحقل، وفي المكتب.


ويؤلمني أن أرى النيل، أحد أعظم أنهار العالم، يمر بين المدن والقرى، بينما ما زالت فرص الاستثمار فيه محدودة مقارنة بما يمكن أن يقدمه من تنمية زراعية وسياحية واقتصادية.
ويؤلمني أن أرى ملايين الأفدنة الخصبة، بينما يستورد السودان كثيرًا مما يستطيع إنتاجه.
ويؤلمني أن أرى العقول السودانية تهاجر لتبني دولًا أخرى، بينما وطنها أولى بخبراتها.


إن السودان لا تنقصه الثروة.
ولا تنقصه العقول.
ولا تنقصه المساحات.
ولا تنقصه الفرص.


الذي ينقصه هو أن يؤمن الجميع بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأكبر من الأحزاب، وأكبر من المصالح الضيقة.


لقد آن الأوان أن يسأل كل سوداني نفسه سؤالًا بسيطًا:
ماذا قدمت للسودان؟
وليس ماذا قدم السودان لي؟
فالحقوق لا تنفصل عن الواجبات، والأوطان لا تُبنى بالمطالب وحدها، بل تُبنى أيضًا بالعطاء.
رسالتي إلى كل سوداني، داخل الوطن وخارجه، أن يجعل السودان مشروع حياته، لا مجرد مكان ينتمي إليه في الأوراق الرسمية.


فالنهضة لن تأتي من الخارج، ولن يصنعها المجتمع الدولي، ولن يحققها المستثمر وحده، بل سيصنعها السوداني عندما يقرر أن يكون الوطن هو الأولوية الأولى.


لا تجعلوا الماضي يسكن المستقبل.
اصنعوا مستقبلًا يفتخر به أبناؤكم كما تفتخرون أنتم بماضيكم.


فالسودان يستحق أكثر مما هو عليه اليوم.
ويستحق أن تتوحد القلوب قبل أن تتوحد الكلمات.


ويستحق أن يعمل الجميع تحت راية واحدة، عنوانها:
السودان أولًا… واليوم قبل الغد.

بصيرتي برس.. بصيرة الوطن

لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والتحليلات المعمّقة تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى