لا تزرعوا الشوك…فإن المبدعين يستحقون الورود

عباس الماحى
نقطة سطر جديد
لا تزرعوا الشوك…فإن المبدعين يستحقون الورود
ما أيسر أن يزرع الإنسان شوكًا، وما أعسر أن يغرس شجرةً مثمرة، فالشوك لا يحتاج إلى عناية، ولا إلى جهد، ولا إلى قلبٍ محب؛ يكفي أن يُترك لينمو، فلا تكون ثمرته إلا الجراح…أما الأشجار الوارفة والورود اليانعة، فإنها تحتاج إلى من يسقيها، ويرعاها، ويؤمن بأن الخير يستحق أن يُصنع.
وهكذا هم الناس في الحياة؛ فمنهم من يبذر الأمل، ومنهم من ينثر الألم، ومنهم من يفتح الأبواب أمام الطاقات، ومنهم من يقف على العتبات حارسًا للإحباط، يمنع النور من الوصول إلى أصحابه، ويحاول خنق كل موهبة قبل أن ترى النور.
وفي كل مجتمع يولد مبدعون يحملون أفكارًا جديدة، ويشقون طرقًا لم يسبقهم إليها أحد…هؤلاء لا يصنعون النجاح لأنفسهم فحسب، بل يفتحون آفاق الأمل لغيرهم، ويؤكدون أن الإرادة والعلم والعمل قادرة على صناعة مستقبلٍ أفضل.
غير أن طريق النجاح لا يخلو ممن يجيدون وضع العراقيل أكثر من مدِّ يد العون، ويتفننون في تثبيط العزائم أكثر من تحفيز الطاقات.
وإن أعظم ما يُبتلى به المبدع ليس قلة الإمكانات، ولا وعورة الطريق، بل أولئك الذين اعتادوا العيش في ظلال الفشل، فلا يطيقون رؤية شعلة نجاح تتقد أمامهم. تراهم يلاحقون كل فكرة واعدة بالتشكيك، وكل إنجاز بالاستخفاف، وكل موهبة بالانتقاص من شأنها، لا لأن المبدع أخطأ، بل لأن نجاحه يوقظ في نفوسهم شعورًا بالعجز، فيحاولون إطفاء النور بدلًا من إشعال شمعة في حياتهم.
إنهم يشبهون إلى حدٍّ كبير زارعي الشوك؛ يبذلون الوقت والجهد، ولكن فيما يؤذي الآخرين. فلا ظل يستظل به الناس، ولا ثمرة يقتات منها جائع، ولا عبير ينعش الأرواح. وكل ما يتركونه خلفهم دروبٌ موحشة، وأقدام دامية، وقلوب أنهكها الأذى…وكان بإمكانهم أن يزرعوا وردةً تُبهج القلوب، فلو أدركوا أن النجاح لا يُسرق، وأن الرزق لا ينقص، وأن المجد يتسع للجميع، لما جعلوا من الحسد منهجًا، ولا من العداوة سبيلًا، ولا من محاربة الناجحين رسالة.
فزارع الشوك لا يُنتظر منه خيرٌ يُرجى؛ لأنه لا يحصد إلا الجراح والأحقاد والضغائن… فهو لا يضيف إلى المجتمع علمًا، ولا يشيد إنجازًا، ولا يصنع نجاحًا، بل ينشغل بإعاقة الناجحين والتقليل من إنجازاتهم، ظنًّا منه أن محاربة الآخرين ترفعه، وما علم أن النجاح لا يُبنى على أنقاض الآخرين، فالشمس لا ينقص ضوؤها إذا أضاءت نافذةً أخرى، والبحر لا يجف إذا ارتوى منه العطاش، والعقول المبدعة لا تنتقص من قيمة أحد، بل تسمو بالمجتمع كله.
ولقد أثبتت الأمم الراقية أن نهضتها لم تبدأ بكثرة الموارد، وإنما بدأت حين احترمت أصحاب الفكر، واحتضنت الموهوبين، وشجعتهم، ومهّدت الطريق أمام أصحاب الابتكارات والمبادرات. فالمبدع ليس خصمًا لمجتمعه، بل هو ثروته الحقيقية، والعقل المنتج أثمن من كنوز الأرض؛ لأنه يصنع الحضارة، ويبتكر الحلول، ويمنح الأجيال أسباب التقدم.
ولأن الشباب هم صناع الغد والأمل لكل وطن، فإن الاستثمار في عقولهم وقدراتهم ضرورة تفرضها مسؤولية الحاضر والمستقبل. فهم سواعد البناء، وعقول الابتكار، وروح النهضة، وحماة الأوطان في ميادين العلم والعمل كما هم حُماتها في ميادين الشرف والدفاع. وكل شاب يجد من يؤمن بقدراته، ويحتضن موهبته، ويمنحه فرصةً عادلة، يتحول إلى طاقةٍ منتجة، ومشروع نجاح ينعكس أثره على مجتمعه ووطنه…أما حين تُحاصر طموحاته بالإحباط، وتُقابل مبادراته بالتقليل والتهميش، فإن الأمة تخسر قبل أن يخسر هو، لأنها تفقد عقلًا كان قادرًا على الإبداع، وساعدًا كان قادرًا على البناء، وقلبًا كان يحمل حلمًا بأن يرى وطنه في مقدمة الأمم.
ومن هنا، فإن دعم الشباب، وتمكينهم، وغرس الثقة في نفوسهم، وفتح الأبواب أمام إبداعاتهم، هو أعظم استثمار في أمن الوطن ونهضته ومستقبله، وهو الضمان الحقيقي لاستمرار مسيرة التقدم وازدهار الأجيال القادمة.
أما المجتمعات التي تضيق ذرعًا بالمبدعين، وتكافئ أصحاب التملق، وتحارب أصحاب الكفاءة، فإنها كمن يقتلع الأشجار المثمرة ويزرع مكانها الشوك، ثم يتساءل بعد ذلك: لماذا خلت البساتين من الثمار؟ ولماذا هاجر الطير؟ ولماذا ذبلت الحياة؟
إن الحقد والكراهية لا يصنعان إلا الفرقة، ولا يورثان إلا الشقاق، ولا يشيدان إلا جدرانًا تفصل القلوب عن بعضها، ويقتلان روح التعاون، ويهدران الطاقات التي كان يمكن أن تتحول إلى إنجازات عظيمة… وما أكثر المواهب التي ذبلت في مهدها بسبب كلمة محبطة، أو موقف متعمد، أو حسدٍ أعمى لم يحتمل أن يرى إنسانًا يتقدم خطوة إلى الأمام.
وليس المطلوب أن نصفق لكل نجاح، ولا أن نغض الطرف عن الأخطاء، وإنما المطلوب أن يكون النقد بنّاءً، وأن تكون المنافسة شريفة، وأن يكون الاختلاف دافعًا للتطوير لا وسيلة للهدم. فالأمم لا تتقدم بالصراعات الصغيرة، وإنما تنهض حين يصبح نجاح الفرد نجاحًا للجميع، ويغدو التفوق مصدر فخر لا سببًا للعداوة.
فلنكف عن زراعة الأشواك في دروب الآخرين، لأننا قد نكون أول من يضطر إلى السير في تلك الدروب. ولنعلم أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن التشجيع رسالة نبيلة، وأن احتضان الموهبة استثمار في مستقبل الأوطان.
فلنكن ممن يزرعون الورود لا الأشواك، ويغرسون الأمل لا الإحباط، ويشجعون المبدعين بدلًا من محاربتهم؛ فرب كلمة صادقة صنعت عالمًا، ورب تشجيع مخلص أنقذ موهبة، ورب يد امتدت بالعون غيّرت وجه التاريخ.
ازرعوا الورود في القلوب، واغرسوا الثقة في النفوس، وانثروا الأمل في دروب الشباب؛ فإن الورد إذا أزهر عطّر المكان، وإن الخير إذا انتشر عمّر الأوطان. أما الشوك فلا يمنح صاحبه إلا العزلة، ولا يترك وراءه إلا الألم.
فلا تزرعوا الشوك؛ فإن الشوك لا يصنع حضارة، ولا يبني إنسانًا، ولا يخلّد اسمًا…وإنما الذي يبقى هو الخير، وما ينفع الناس، والكلمة الصادقة الطيبة قد تصنع عالمًا ناجحًا، بينما الكلمة الجارحة قد تقتل حلمًا كان قادرًا على أن يغيّر حياة أمة بأكملها.
ولنتذكر دائمًا أن التاريخ لا يخلّد زارعي الأشواك، بل يخلّد أولئك الذين زرعوا الخير، ونشروا المحبة، ومهّدوا الطريق أمام المبدعين ليصنعوا مستقبلًا أكثر إشراقًا.
فلا تزرعوا الشوك، فإنه لا يورث إلا الألم، وازرعوا الخير، وامدوا يد العون، وأطلقوا للعقول المبدعة عنان إبداعها، وأحيوا القلوب التي تحب للناس ما تحب لأنفسها.
فإن ثمار الخير باقية، وأثرها خالد، وذكراها تظل عطرةً في القلوب.

بصيرتي برس بصيرة والوطن