رجلٌ على كرسي متحرك يهزّ سجن بورتسودان… ورشان أوشي تبكي لأول مرة

رشان أوشي..!

منظور جديد
عامر حسون
في نهارٍ ثقيل من نهارات بورتسودان، كانت الحرارة تضرب المدينة بقسوة، فيما ظلّ سجنها صامتاً كعادته، يخفي خلف جدرانه تفاصيل الأزمة الأخيرة التي تواجهها الصحافة السودانية في معركة حرية الكلمة. داخل المحبس، كانت الكاتبة والصحفية رشان أوشي تواجه تبعات الملاحقة والأحكام الصادرة بحقها بثبات لافت، ولم تكن مكسورة كما أراد خصومها أن يصدقوا، بل بدت هادئة بصورة أربكت كل من دخل إليها متضامناً.
توافد الصحفيون والصحفيات تباعاً؛ وجوه معروفة وأخرى جاءت بدافع المحبة والاحترام، لكن وسط كل تلك الوفود، كان هناك مشهد واحد غيّر إيحاء المكان بالكامل، وتحول إلى الحدث الأبرز الذي هزّ وجدان كل من كان في السجن من حراس وزوار.
عند باب المحبس، ظهر “الزين علي بابكر” على كرسيه المتحرك، فـساد صمتٌ مفاجئ. كان يتقدم ببطء يشي بحجم التعب والوصب الذي يسكن جسده، لكن إصراراً نادراً كان يدفعه لتحدي مشقة الطريق وأسوار المعتقل. لم يكن الرجل يبحث عن ضجيج أو بطولة زنيخة، بل جاء مدفوعاً بشيء أبسط وأعظم: الإنسانية في أصفى صورها.
والحقيقة أن قصة “الزين” مع هذه القضية بدأت قبل هذه المواجهة بكثير؛ فمنذ الأيام الأولى للأزمة، وأثناء وجودي خارج الوطن، كان يهاتفني باستمرار، يسأل بقلق حقيقي عن الأستاذة رشان، ويتابع تفاصيل احتجازها كأن الأمر يخص فرداً من أسرته. وحين أصبحت الاتصالات صعبة، لم يكتفِ بالصمت، بل استعان بالأصدقاء ليطمئن عليها، وظل حاضراً بالسؤال والمتابعة حتى قرر أن يتحدى المرض والمسافة ويذهب إليها بنفسه.
اقترب “الزين” من رشان، وتحدث معها بكلمات بسيطة لكنها صادقة؛ كلمات رجلٍ يعرف أن الوقوف مع الناس وقت الشدة لا يحتاج إلى معرفة قديمة، بل إلى قلب حي فقط.
وهنا حدث ما لم يتوقعه أحد؛ فرشان أوشي، التي واجهت قرارات التوقيف والجدران بصلابة، انهمرت دموعها فجأة وهي تنظر إليه. قال لها “الزين” بدهشة ممزوجة بحنان: “ليه البكاء؟ إنتِ أقوى من كده”. فردّت بصوتٍ مخنوق من شدة التأثر:
“أنا ما ببكي عشان السجن.. أنا ببكي لأنو زول مريض ومتعب اتحمل كل التعب دا عشان يجي يطمن علي، رغم إنو ما بينا معرفة سابقة”
في تلك اللحظة، لم يعد الكرسي المتحرك مجرد تفصيل عابر في المشهد، بل تحول إلى رمز كامل لمعنى الشهامة السودانية الأصيلة. ذلك الرجل لم يدخل السجن بجسدٍ قوي، لكنه دخله بقلبٍ هزّ أركان المكان وأبكى الحاضرين.
منظور أخير:
إن مراحل التقاضي لم تنتهِ بعد، والكلمة الأخيرة للقانون لم تُقل، لكن “الزين” حسم المعركة الأخلاقية مبكراً؛ ولهذا السبب تحديداً، تفشل دائماً محاولات ترهيب أصحاب الأقلام الصادقة، لأنها حين تُحاط بهذا النوع من الوفاء الشعبي النبيل، تصبح أكثر منعة وقوة.. لا أضعف.
أما أولئك الذين اصطفوا في خندق الشماتة، من أصحاب الأقلام المأجورة والنفوس المريضة، فنقول لهم: “موتوا بغيظكم”.. فقد هزمكم هذا الرجل الصابر بكرسيه المتحرك، وأثبت أن نبل الموقف أقوى من زيف مأربكم.
وإلى الأستاذة رشان أوشي، نرسل رسالة تضامن ملؤها اليقين:
لا بد لليل أن ينجلي، ولا بد للقيد أن ينكسر
إننا نثق تماماً في عدالة السماء أولاً، وفي نزاهة وعدالة القضاء السوداني الذي سينتصر للحق في نهاية المطاف، فالمعارك الشريفة يصنعها الصامدون، ويكتب ختامها الأوفياء.
بصيرتي برس بصيرة الوطن