Uncategorized

عباس الماحى نقطة سطر جديدعدم الرد على الهاتف…سلوك غير حضاري

عدم الرد على الهاتف

عباس الماحى نقطة سطر عدم الرد على الهاتف

قد أصبحت وسائل الاتصال أقرب إلينا من أي وقت مضى… يبدو غريباً أن تتسع المسافات بين الناس، لا بسبب البعد الجغرافي، بل بسبب الجفاء في التعامل والتعالي غير المبرر. ومن أكثر الصور التي تعكس هذا التراجع في السلوك الإنساني ظاهرةُ تعمُّد عدم الرد على الهاتف، وكأن تجاهل الآخرين أصبح عند البعض نوعاً من الهيبة، أو دليلاً على المكانة الاجتماعية.


إن عدم الرد المتكرر، دون عذر أو توضيح، أسلوب غير حضاري يكشف عن ضعفٍ في احترام الآخرين وتقديرهم…فحين يتصل بك شخص ما، فهو يمنحك جزءاً من وقته واهتمامه، وربما يحمل أمراً مهماً، أو حاجةً ملحّة، أو حتى رغبةً صادقة في الاطمئنان عليك، وعندما تقابل ذلك بالتجاهل المتعمَّد، فإنك لا تتجاهل مكالمةً فحسب، بل تتجاهل إنساناً ومشاعره وقيمته.


البعض يبرر هذا السلوك بالانشغال، والانشغال أمر طبيعي في حياة الجميع، لكن الفرق كبير بين إنسان لا يستطيع الرد في لحظة معينة ثم يعود لاحقاً معتذراً أو موضحاً، وبين شخص يرى أن تجاهل الناس يرفع من قدره ويزيد من هيبته. وهذه الفكرة الخاطئة تسللت – للأسف – إلى عقول كثيرين، خاصة بعض من يجلسون على كراسي السلطة أو يمتلكون نفوذاً اجتماعياً أو مالياً، فيتصور أحدهم أن صعوبة الوصول إليه تمنحه أهمية أكبر.


والواقع أن الناس لا تحترم المتعالي مهما علت مكانته، لأن الاحترام لا يُفرض بالمناصب ولا بالأموال، بل يُكتسب بحسن التعامل، والتواضع، والقدرة على احتواء الآخرين…كم من مسؤول بسيط أحبه الناس لأنه قريب منهم، يسمع شكواهم ويرد على اتصالاتهم، وكم من صاحب منصب كبير سقط من أعين الناس بسبب الغرور والتجاهل والتعامل بفوقية.


إن بعض المسؤولين ينسون أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن الكرسي الذي يجلسون عليه وُجد لخدمة الناس لا للابتعاد عنهم…ومن المؤسف أن يتحول الهاتف عند البعض إلى جدارٍ من العزلة والتعالي؛ فلا يردون على موظف، ولا مواطن، ولا حتى صديق قديم، وكأن الرد ينتقص من قيمتهم. بينما الواقع أن الإنسان كلما ارتفع مقامه زادت حاجته إلى التواضع، وإلى القرب من الناس لا الابتعاد عنهم.


وقد يكون تجاهل الاتصالات أحياناً وسيلةً للهروب من الالتزامات؛ فالبعض يتهرب من سداد دين، أو من تنفيذ وعد، أو من مواجهة موقف محرج، فيختبئ خلف صمت الهاتف معتقداً أن المشكلة ستختفي، لكنه لا يدرك أن الهروب لا يحفظ الكرامة، بل يهز الثقة ويُضعف الاحترام… فالناس قد تعذر العاجز، لكنها لا تحترم المتهرب والمتجاهل.


والأهم من ذلك كله أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده مهما امتلك من مال أو سلطة أو نفوذ، فالحياة تتغير، والمناصب لا تدوم، والمال قد يضيع في لحظة، وعندها لن تنفعه الألقاب ولا الحواجز التي صنعها بينه وبين الناس…ففي أوقات القوة يظن البعض أنهم ليسوا بحاجة إلى أحد، لكن الأيام كفيلة بأن تُعلِّم الجميع أن الإنسان يضعف حين يفقد محبة الناس ووقوفهم معه.


كم من أشخاص كانوا محاطين بالمجاملات والاتصالات حين كانوا أصحاب نفوذ، فلما فقدوا مناصبهم أو أموالهم اختفى الجميع من حولهم؛ لأنهم لم يبنوا علاقاتهم على الاحترام والإنسانية، بل على المصالح والتعالي… فالناس لا تتذكر كم كان الإنسان غنياً أو صاحب سلطة، لكنها تتذكر كيف كان يعاملهم، وهل كان قريباً منهم أم متكبراً عليهم.
لذلك كن بلسماً لمن حولك، هاشّاً باشّاً في وجوه الناس، وتميّز بابتسامتك وكلمتك الطيبة، فالأرواح تميل إلى من يخفف عنها، لا إلى من يثقلها بالتكبر والتجاهل، ازرع الخير والمحبة والاحترام في طريقك، تحصد وروداً من المودة والدعوات الصادقة، وستجد الناس حولك في أوقات الشدة قبل الرخاء.


وتذكّر دائماً أن أبسط صور الاحترام قد تصنع أعظم الأثر؛ فمكالمة تُجاب، أو رسالة يُرد عليها، أو اعتذار لطيف، قد يحفظ علاقة، ويجبر خاطراً، ويزرع محبةً لا تُشترى بالمال ولا تُفرض بالنفوذ.


إن التواضع قوة أخلاقية ترفع صاحبها في القلوب، أما التعالي وتجاهل الناس فهو طريق قصير نحو العزلة وفقدان المحبة. والإنسان الذكي هو من يدرك أن احترام الناس رقيٌّ في الأخلاق وسلوك حضاري، وأن قيمته لا تُقاس بما يملك، بل بالأثر الطيب الذي يتركه في حياة الآخرين.


فالمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من المتكبرين، بل يحتاج إلى أناس يشعرون بالآخرين ويحترمونهم، لأن الكلمة الطيبة، والرد الكريم، والاهتمام البسيط، قد تكون أحياناً أعظم من كل المناصب والأموال.


فتذكّر أن الهاتف ليس مجرد جهازٍ يرن، بل بابٌ للتواصل الإنساني، وجسرٌ للمحبة والاحترام. فلا تجعل من تجاهلك عادةً تكسر القلوب وتطفئ الود بين الناس. فقد يأتي يومٌ تبحث فيه عمّن يرد عليك، فلا تجد سوى صدى صمتك القديم.


فكما تدين تُدان، وكما تعامل الناس تُعامل. والإنسان لا يُخلَّد بمنصبه ولا بماله، بل يُخلَّد بأخلاقه وأثره الطيب في نفوس الآخرين.

عدم الرد على الهاتف
فكن قريباً من الناس، سهلاً في تواصلك، راقياً في ردودك، لأن أعظم الهيبة ليست في أن يتعذر الوصول إليك، بل في أن تبقى كبيراً بتواضعك، جميلاً بأخلاقك، حاضراً في قلوب الناس قبل هواتفهم.

عدم الرد على الهاتف

بصيرتي برس بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى