Uncategorized

حين يتحول التأمين الصحي إلى احتكار… من يحمي المواطن والاقتصاد؟

المستشار محمد عباس قطاع التأمين الصحي

(رسالة وعي)

بقلم المستشار محمد عباس

قطاع التأمين الصحي برمته

شاهد الفيديو المتداول للدكتور جبريل إبراهيم وزير المالية بكل إندهاش وفي ظل أزمه إقتصادية حادة للسودان تبرز الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ مفهوم الشمول المالي، لا إلى تقويضه أو حصره في جهة واحدة مهما كانت النوايا حسنة.
وقد جاءت تصريحات جبريل إبراهيم الداعمة لتوجيه مؤسسات الدولة نحو التأمين الصحي الحكومي لتفتح باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل قطاع التأمين الطبي الخاص، ومدى تأثير مثل هذه القرارات على الاقتصاد الوطني، وجودة الخدمة الصحية، وفرص العمل، والاستثمار.


إن أي توجه اقتصادي يقوم على احتكار أموال التأمين الطبي داخل مؤسسة حكومية واحدة، يعني عملياً إقصاء قطاع كامل ظل لسنوات يقدم خدماته للمواطن السوداني، ويشارك في تخفيف الضغط على الدولة، ويوفر آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.


اليوم تعمل أكثر من 13 شركة تأمين سودانية خاصة في مجال التأمين الطبي، وهذه الشركات ليست مجرد كيانات ربحية كما يظن البعض، بل تمثل جزءاً من الدورة الاقتصادية للدولة، وتربط بينها وبين المستشفيات والمراكز الطبية والصيدليات وشركات الإدارة الطبية شبكة واسعة من المصالح والخدمات والتوظيف.


وعندما يتم توجيه أغلب مؤسسات الدولة إلى جهة واحدة فقط، فإن السؤال المنطقي هنا: ماذا سيحدث لبقية الشركات؟ وماذا سيكون مصير العاملين فيها؟ وكيف سيتأثر القطاع الصحي الخاص الذي يعتمد بصورة كبيرة على التنافس والتعاقدات المتعددة؟


إن الاقتصاد لا يُدار بالعاطفة أو بردود الأفعال، وإنما يُدار برؤية شاملة تقوم على التوازن بين القطاعين العام والخاص، وعلى خلق بيئة تنافسية عادلة تحفظ حق الدولة وحق المستثمر وحق المواطن في آنٍ واحد.


فالتنافس في الخدمات الصحية ليس خطراً كما يعتقد البعض، بل هو أحد أهم أسباب تحسين الجودة وخفض التكاليف وتطوير الأداء. وكلما تعددت الجهات المقدمة للخدمة، زادت فرص الابتكار وتحسين تجربة المؤمن عليهم.
أما الاحتكار، حتى وإن كان حكومياً، فإنه غالباً ما يؤدي مع الوقت إلى ضعف الجودة، وبطء التطوير، وقلة الخيارات أمام المواطن.


ولعل تجربة التأمين الصحي في الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الرئيس باراك أوباما تقدم مثالاً مهماً في هذا الجانب. فرغم قوة الاقتصاد الأمريكي واستقراره، واجه مشروع “أوباما كير” تحديات كبيرة وانتقادات واسعة، لأنه اصطدم بتعقيدات السوق والتوازنات الاقتصادية ومصالح المؤسسات المختلفة، مما يؤكد أن ملف التأمين الصحي لا يُدار بقرارات أحادية، وإنما عبر شراكات وتوازنات دقيقة.
إن السودان اليوم بحاجة إلى:
دعم التأمين الصحي الحكومي دون إلغاء دور القطاع الخاص.
توسيع مظلة التأمين لا احتكارها.
تشجيع المنافسة العادلة.


بناء اقتصاد قائم على الشمول المالي الحقيقي.
حماية الاستثمارات الوطنية والوظائف المرتبطة بها.
فالقطاع الخاص ليس خصماً للدولة، بل شريك أساسي في التنمية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.


وأخيراً… إذا كانت الغاية هي خدمة المواطن السوداني، فإن المواطن لا يحتاج إلى جهة واحدة تحتكر الخدمة، بل يحتاج إلى نظام صحي قوي، متنوع، وعادل، يضع الجودة والكرامة الإنسانية فوق أي اعتبارات أخرى.
إن الأوطان القوية تُبنى بالشراكة… لا بالاحتكار

الله أولاً
إنهض بعملك

بصيرتي برس بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى