نكون أو لا نكون


عباس الماحى
نقطة سطر جديد
نكون… لأن الكرامة لا تعرف طريقًا آخر
ليست قوة الشخصية صفةً يولد بها الإنسان، بل هي قرارٌ يتخذه كل صباح، وإرادةٌ تتجدد كلما اعترضته العقبات… فالحياة لا تمنح مكانتها للمترددين، ولا تفتح أبوابها لمن ينتظر الفرص دون أن يصنعها، وإنما تبتسم لأصحاب العزائم الذين يؤمنون بأن الإرادة الصلبة قادرة على تحويل المحن إلى منح، والتحديات إلى بدايات جديدة.
وليست الأوطان خرائط تُرسَم على الورق، ولا حدودًا تفصل بين الجهات الأربع، بل هي مبدأ حياة، وذاكرة شعوب، وهوية إنسان، وجذور انتماء تمتد في أعماق التاريخ.
فالإنسان بلا كرامة ظلٌّ عابر، والوطن بلا وعي أبنائه مجرد أرضٍ بلا روح.
أن تكون قويَّ الشخصية لا يعني أن تفرض رأيك على الآخرين، بل أن تملك من الثبات ما يجعلك لا تتخلى عن مبادئك، ومن الحكمة ما يجعلك تميّز بين الاندفاع والشجاعة، ومن الثقة بالنفس ما يدفعك إلى المضي في طريقك مرفوع الرأس مهما اشتدت الرياح…فالشخصية القوية لا تُقاس بعلو الصوت، وإنما بصدق الموقف، وتتجلى في أوقات الشدة، حين يتخاذل كثيرون ويبقى أصحاب الإرادة واقفين كالجبال.
إن الأمم، كما الأفراد، لا تُبنى إلا بالإرادة. فكل نهضة عظيمة بدأت بفكرة آمن بها أصحابها، وكل نصر سبقته سنوات من الصبر والعمل والتضحية، وكل مجدٍ سطّره التاريخ كان ثمرة عزيمة رفضت الإذلال، ولذلك فإن أول معارك الإنسان ليست مع خصومه، بل مع اليأس الذي يحاول أن يسكن قلبه، والخوف الذي يسعى إلى تقييد خطواته، والتردد الذي يسلبه فرصة صناعة مستقبله.
الإرادة هي السلاح الذي لا يصدأ، والكرامة هي الراية التي لا تُنكَّس، والوعي هو الحصن الذي لا يُهزم.
ومن هنا، لم تكن عبارة “نكون أو لا نكون” يومًا مجرد كلمات تتردد على الألسنة، بل كانت عنوانًا للإرادة، وقسمًا تتوارثه الأجيال، وميثاقًا بين الإنسان وكرامته، وبين المواطن ووطنه، وبين الحاضر والمستقبل…إنها إعلانٌ صريح بأن أنصاف المواقف لا تصنع تاريخًا، وأن الأوطان لا يحفظ مكانتها إلا أبناء يؤمنون بها، ويصونونها بالوعي والعمل والإخلاص والثبات.
أن نكون… يعني أن نمتلك شخصية لا تهزمها الأزمات، وإرادة لا تستكين أمام التحديات، ورسالة تؤكد أن الكرامة لا تُوهب، بل تُصان بالعزيمة، وثقة بالنفس تدفعنا إلى صناعة المستقبل بدل انتظار صناعته. فإثبات الذات ليس استعراضًا للقوة، وإنما قدرة على الصمود، وإخلاصًا في العمل، وتمسكًا بالمبادئ، وإيمانًا بأن الإنسان الذي يعرف قيمة نفسه لا يقبل أن يعيش في الظل، ولا أن يكون تابعًا أو منكسرًا.
من عرف قيمة نفسه، عرف كيف يصنع قيمة وطنه، ومن أخلص لوطنه، خلد اسمه في ذاكرته.
والوطن ليس مجرد مكان نسكنه، بل هو المكان الذي يسكننا. هو الأرض التي احتضنتنا، والسماء التي حملت أحلامنا، والراية التي نلتف حولها كلما نادتنا المسؤولية.
وحماية الوطن، والحفاظ على أمنه واستقراره، وصون كرامة أهله، ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تتجدد مع كل جيل، وتُترجم إلى وعي، وإتقان في العمل، ووحدة في الصف، وإخلاص في الأداء.
لا وطن قوي بلا مواطن قوي، ولا مواطن قوي بلا مبادئ راسخة وإرادة لا تعرف التراجع.
إن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحياة الكريمة لا تنحني للعواصف، ولا تسمح للخوف أن يرسم مستقبلها… قد تواجه المحن، وتعترضها التحديات، لكنها تدرك أن الأمم العظيمة تُبنى بالصبر، وتنهض بالإرادة، وتبقى شامخة بوحدة أبنائها. فالكرامة ليست كلمة تُكتب بالحبر أو تُلقى في الخطب، بل سلوك يُمارس كل يوم، وعمل يُنجز بإخلاص، وموقف يُتخذ عندما تستدعيه المسؤولية.
الرايات لا يحفظها القماش… بل يحفظها الرجال والنساء الذين يؤمنون بما تمثله، ويصونونها بأفعالهم قبل أقوالهم.
ولهذا فإن رايات الأوطان لا تُقاس بارتفاع سارياتها، بل بعلو قيمها في نفوس أبنائها. تظل خفاقة فوق قمم الجبال، وفي ميادين المدن، وعلى أسطح البيوت، لأنها تسكن القلوب قبل أن ترفرف في السماء. إنها رمز للعزة، وعنوان للوفاء، وشهادة على أن هذا الوطن يملك أبناءً يؤمنون بأن المجد لا يُورث، بل يُصنع، وأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُبنى.
فكل الأمم تتسابق نحو المستقبل، لذا لا مكان للمترددين، ولا للمنهزمين نفسيًا، ولا لمن يكتفون بمشاهدة الآخرين وهم يصنعون التاريخ.
هناك خيار واحد يليق بالشعوب الحية: أن تكون حاضرة بعلمها، قوية بوحدتها، راسخة بمبادئها، واثقة بقدرتها على تجاوز كل تحدٍّ… فالأوطان التي يخلص لها أبناؤها لا تعرف الهزيمة، والرايات التي تحملها أيادٍ مؤمنة بقيمها تبقى عالية مهما تعاقبت الأيام.
الأمم لا تخضع ولا تستسلم حين تشتد عليها الأزمات، وإنما حين تفقد إيمانها بنفسها.
ويبقى السؤال الذي يطرحه التاريخ على كل أمة، وعلى كل إنسان: هل نكون أم لا نكون؟
والإجابة لا تُكتب بالحروف، بل بالمواقف؛ تُكتب عندما ينتصر الإخلاص على المصلحة، والوحدة على الفرقة، والعمل على الكسل، والأمل على اليأس.
نكون… لأن الكرامة لا تعرف طريقًا آخر.
نكون… لأننا نؤمن أن الأوطان العظيمة لا يبنيها إلا أصحاب العقول الواعية، والقلوب المخلصة، والإرادات التي لا تلين.
تُبنى بسواعد أبنائها، وتُحمى بتكاتفهم، وتبقى شامخة ما دام فيها رجال ونساء يؤمنون بأن الكرامة لا تقبل المساومة، وأن حماية الوطن وصون أمنه واجب يسمو فوق كل اعتبار، في إطار الحق والعدل واحترام القيم الإنسانية.
نكون… لأننا لا ننحني إلا لله، ولا نسمح لعزائمنا أن تنكسر، ولا لراياتنا أن تُنكَّس، وستظل رايتنا خفاقة تعانق السماء فوق قمم الجبال، وتزين ميادين مدننا، وتبقى عنوانًا للعزة والوفاء والانتماء.
فالكبرياء الحق هو كبرياء الأخلاق، وعزة النفس، والعمل المخلص، والوحدة التي تجمعنا.
إن شعار “نكون أو لا نكون” ليس مجرد عبارة تُقال، بل ميثاق شرف، ودعوة إلى الثبات في المواقف، والاعتزاز بالهوية، والتمسك بالعزة والكرامة…وهو يعني ألا تنحني الهامات أمام الظلم، ولا تضعف الإرادة أمام التحديات، وأن تبقى النفوس عامرة بالأمل، والعقول مؤمنة بأن المستقبل يصنعه أصحاب العزائم.
فالتاريخ لا يتذكر الذين انتظروا الفرص، بل يخلّد الذين صنعوها، ولا يرفع الأوطان إلا أبناء جعلوا الواجب شرفًا، والإخلاص رسالة، والتضحية طريقًا إلى المجد.
وسيظل شعارنا، اليوم وغدًا، وفي كل موقف: نكون… لأننا خُلقنا لنصنع المجد، لا لننتظر صانعيه.
نكون… لأن الأوطان التي تسكن قلوب أبنائها لا تعرف الانحناء، ولأن الرايات التي ترفعها سواعد المخلصين لا تسقط، ولأن الأمم التي تجعل الكرامة مبدأ، والوحدة نهجًا، والعمل رسالة، تكتب مستقبلها بيدها، وتترك للأجيال إرثًا من العزة والخلود. فإما أن نكون على قدر المسؤولية، أو نترك صفحات التاريخ تُكتب بأقلام غيرنا. أما نحن، فسنظل نختار أن نكون… لأن الكرامة لا تعرف طريقًا آخر، ولأن المجد لا يصنعه إلا الذين يؤمنون بأن الأوطان أمانة، وأن الوفاء لها شرف، وأن البقاء في القمة يحتاج إلى إرادة لا تعرف المستحيل.
بصيرتي برس بصيرة الوطن
لمتابعة أحدث الأخبار والتقارير الحصرية والمقالات تابعونا على صفحتنا الرسمية على فيسبوك https://www.facebook.com/share/1GASKuGafY/