الثقافة والفنون

عباس الماحى.. نقطة سطر جديد.. جراب الحاوي وأسواق المفاجآت

الحاوي


يُعد الحاوي واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للفضول في التراث الشعبي والعروض الترفيهية، وهو وريث فنٍّ إنساني قديم تعود جذوره إلى الحضارات الأولى التي سعت إلى إدهاش الناس وإمتاعهم بحيل تعتمد على المهارة والخداع البصري أكثر مما تعتمد على الأدوات نفسها. وقد ارتبط اسم الحاوي بالقدرة على إبهار الجمهور من خلال حركات سريعة ودقيقة تجعل الأشياء تظهر أو تختفي وكأنها تحدث بفعل السحر، بينما يكمن السر كله في التدريب المتواصل وسرعة اليد وحسن توجيه انتباه المشاهد.

عباس الماحي يتحدث عن الحاوي


ويصعب تحديد دولة واحدة بوصفها الموطن الأول لفن الحواة وألعاب الخفة، لأن هذا الفن يُعد من أقدم الفنون الترفيهية التي عرفتها البشرية…وتشير المصادر التاريخية إلى أن أقدم الشواهد المعروفة على ألعاب الخداع البصري وخفة اليد ظهرت في مصر القديمة قبل آلاف السنين، حيث وجدت رسومات ونقوش تُظهر مؤدين يقدمون عروضًا تعتمد على الكرات والأكواب أمام الجمهور…كما عرفت حضارات الهند والصين واليونان والرومان أشكالًا مختلفة من هذه الفنون، قبل أن تنتقل عبر العصور إلى مختلف شعوب العالم، لتصبح جزءًا من ثقافة الترفيه الشعبية.


ومن أشهر ما يميز الحاوي «الجراب» أو الحقيبة التي يحملها معه، وهي بمثابة مستودع أسراره وأدواته… فالجراب ليس مجرد وعاء لحفظ المتاع، بل هو رفيق الحاوي الدائم ومصدر الدهشة الذي يخرج منه ما يثير فضول الحاضرين… ويحتوي عادة على مجموعة متنوعة من الأدوات التي تُستخدم في تنفيذ الحيل المختلفة، مثل الكرات الصغيرة، والأوراق الخاصة، والحبال، والعملات المعدنية،والامواس، والأكواب، والصناديق ذات التصاميم الخفية، إضافة إلى أدوات أخرى صممت خصيصًا لإحداث تأثيرات بصرية مدهشة.


ويعتمد الحاوي على مبدأ أساسي يعرف باسم «تشتيت الانتباه»، حيث يوجه نظر الجمهور إلى حركة أو شيء معين، بينما يقوم في اللحظة نفسها بحركة أخرى لا يلاحظها المشاهدون… ولهذا السبب تبدو بعض الحيل وكأنها تتحدى المنطق، رغم أنها في حقيقتها تستند إلى مهارة عالية وخبرة طويلة وفهم دقيق لط

ريقة إدراك الإنسان للأحداث من حوله.
وقد عرفت المجتمعات المختلفة الحواة منذ قرون طويلة، فكانوا يقدمون عروضهم في المدارس والأسواق والساحات العامة والمهرجانات الشعبية. ومع تطور فنون الترفيه، انتقلت ألعاب الخفة إلى المسارح الكبرى، وأصبحت جزءًا من العروض الاحترافية التي تجمع بين المهارة والتمثيل والإبهار البصري… كما ارتبطت صورة الحاوي في أذهان كثيرين بعالم السيرك، حيث تتجاور عروضه مع الحركات البهلوانية وفنون التوازن والمشاهد الاستعراضية التي تقوم على الدقة والرشاقة وإثارة دهشة الجمهور


ولم يعد حضور الحاوي مقتصرًا على ساحات العروض، بل امتد إلى اللغة اليومية والتعبيرات الشعبية. فعندما تواجه الناس مشكلة معقدة أو معضلة يصعب إيجاد حل لها، قد يُسمع أحدهم يقول: «هذا الأمر يحتاج إلى حاوي»، في إشارة إلى الحاجة لشخص يمتلك قدرة استثنائية على إيجاد المخرج المناسب. وهكذا تحول الحاوي من مجرد مؤدٍ لألعاب الخفة إلى رمز شعبي يُستدعى في الحديث عن المواقف الصعبة والحلول المبتكرة.


ومن المهم التأكيد على أن الحديث عن الحاوي وفنون الخفة لا يرتبط بأي اعتقاد في قوى خارقة أو قدرات تتجاوز السنن الطبيعية، فالإيمان يقتضي اليقين بأن قدرة الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء، وأن ما يقدمه الحاوي ليس سوى مهارات مكتسبة تقوم على التدريب والسرعة والخداع البصري وحسن استخدام الأدوات.
ولذلك يبقى هذا الفن في إطار التسلية والترفيه وإدخال البهجة إلى نفوس الناس، ولا يتجاوز ذلك إلى أي ادعاء يتعلق بالخوارق أو الغيبيات.


وإذا كان الحاوي قد اشتهر في الماضي بإخراج الحمامة من القبعة أو بإخفاء قطعة نقدية ثم إعادتها إلى الظهور، فإن حياتنا اليومية الحديثة تبدو أحيانًا وكأنها مسرح واسع يحتاج إلى مجموعة من الحواة لا إلى حاوٍ واحد فقط. فالمواطن البسيط يجد نفسه أمام مشاهد تدعو إلى الدهشة أكثر مما تفعله ألعاب الخفة نفسها. يذهب إلى السوق فيجد الأسعار قد ارتفعت بين ليلة وضحاها، فيتساءل متعجبًا: من أين جاءت هذه الأرقام؟ وكيف قفزت الأسعار بهذه السرعة؟ وكأن أحدهم لوّح بعصاه السحرية فاختفت القدرة الشرائية وظهرت أرقام جديدة على بطاقات الأسعار.


وفي زحام الأسواق تبرز شخصيات لا تقل إثارة عن شخصيات السيرك؛ من سماسرة ووسطاء ومتطفلين على عمليات البيع والشراء، حتى يخيل للمرء أحيانًا أن السلعة الواحدة تمر عبر عدد من الأيدي يفوق عدد من يحتاجون إليها فعلاً. وكلما أضاف أحدهم عمولته أو نصيبه من الربح، ازداد ثمن السلعة حتى تصل إلى المستهلك وقد أثقلتها الأعباء. وعندها لا يملك المشتري إلا أن يتساءل ضاحكًا: هل اشترينا سلعة أم موّلنا عرضًا كاملاً من عروض الحواة؟


كما أن بعض التجار الانتهازيين يمتلكون مهارة لافتة في تبرير كل زيادة وكل ندرة وكل تغير في السوق… فإذا انخفضت التكاليف بقيت الأسعار كما هي، وإذا ارتفعت قليلاً ارتفعت الأسعار كثيرًا، وكأن جرابهم لا يخرج منه إلا الأعذار الجاهزة والمبررات المعدة سلفًا… وهنا تتحول صورة الحاوي إلى استعارة ساخرة تصف قدرة بعض الناس على تبديل الأقوال وتلوين الحقائق بما يخدم مصالحهم.
ومن طرائف الحياة أن الإنسان قد يخرج من منزله لقضاء أمر بسيط، فيعود وقد خاض سلسلة طويلة من التعقيدات والإجراءات والمفاجآت التي تجعله يردد: «كنا نحتاج إلى حاوٍ يرافقنا اليوم». وليس المقصود بالطبع حاوياً للسحر أو الخوارق، وإنما شخصًا يمتلك سرعة البديهة والقدرة على إيجاد الحلول للمواقف المتشابكة، ويستطيع أن يختصر الطرق الملتوية ويكشف ما خفي من التفاصيل.


وإذا كان لكل حاوٍ جرابٌ يخفي فيه أدواته وحيله، فإن حياتنا اليوم تبدو وكأنها لا تسير إلا بجراب حاوٍ كبير يرافقنا في الأسواق والمعاملات والتحديات المالية…فكلما ظننا أننا فهمنا اللعبة، ظهر من بيننا من يجيد تشتيت الانتباه أكثر من الحواة أنفسهم؛ يرفع الأسعار فيقنعنا بأنها ضرورة، ويضيف الأعباء فيصورها خدمة، ويُخفي الحقائق خلف سيلٍ من المبررات حتى ندفع ما يُطلب منا ونحن نكاد نصفق إعجابًا بالعرض.


ولعل أخطر ما في هؤلاء أنهم لا يسحرون العيون بخفة اليد، بل يسحرون العقول بخفة التبرير، فلا يجد الناس وقتًا للجدال أو التحقق، بل ينشغلون بملاحقة المفاجآت الجديدة التي تخرج تباعًا من جراب لا يبدو أن له قاعًا. وهكذا أصبح «جراب الحاوي» عنوانًا مناسبًا لكثير من تعاملات عصرنا؛ فبين تحديات المعيشة وتقلبات الأسواق ومواهب الانتهازيين، يبدو أننا لا نحتاج إلى حاوٍ يكشف لنا الحيل بقدر ما نحتاج إلى من يمنعنا من التصفيق لها.

بصيرتي برس بصيره الفن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى