Uncategorized

عباس الماحى نقطة سطر جديدومن الحبّ ما قتل


الحبّ هو ذلك الشعور الذي يتسلّل إلى القلب بهدوء، فيُغيّر ملامح الروح دون أن يستأذن، وهو نورٌ يضيء القلب قبل أن ينعكس على الملامح.
هو أن ترى في الآخر مرآةً لذاتك؛ فلا تُخفي عيوبك، بل تحتضنها، ولا تُبالغ في كمالك، بل تُكمِله.
وهو أن تميل الروح إلى روحٍ أخرى بلا سببٍ واضح، وكأنّ بينهما لغةً لا تُترجمها الكلمات، ولا تُدركها إلا القلوب.
وهو همسةٌ تعبر القلب؛ لا تُرى ولا تُسمع، لكنها تُحَسّ، ونبضٌ إذا حضر اختفى كلُّ شيءٍ سواه.
هو عطاءٌ بلا حساب، واهتمامٌ يتجدّد كل يوم، وصبرٌ يُزهر في أصعب اللحظات.
وقد عبّر الشعراء عن هذا المعنى منذ القدم، فقال عنترة بن شداد في حبّه لعبلة:
ولقد ذكرتكِ والرماحُ نواهلٌ مني
وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها لمعتْ
كبارقِ ثغركِ المتبسّمِ
والحبّ أن يصبح وجودُ شخصٍ ما كافيًا ليجعل الحياة أكثر احتمالًا وأكثر جمالًا.
هو أن تتكئ روحك على روحٍ أخرى دون أن تخشى الفشل، وأن تجد في عينيه ملاذًا من تعب العالم، وكأنك وصلت أخيرًا إلى نفسك…
وهو أن تسمع نبضًا ليس قلبك فتطمئن، وأن تشتاق دون موعدٍ فتبتسم، وأن يغدو صوته مأوى، وغيابه فراغًا لا يملؤه شيء.
هو أن يمرّ اسمه بخاطرك كنسمةٍ رقيقة، فتزهر في صدرك حدائق لا يراها أحد سواك، فتحلّق في السماء بخفّةٍ ورشاقة.
وقد بلغ الحبّ في صفائه مبلغًا جعل العاشقين يذوبون فيه، كما قال قيس بن الملوّح:
أمرُّ على الديارِ ديارِ ليلى
أُقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي
ولكن حبُّ من سكنَ الديارا
الحبّ أن تُخبّئ دعاءك له بين تفاصيل يومك، وأن تفرح لأجله كأن الفرح خُلق باسمه، وأن تُرهقك الحياة فيُعيدك حضوره إلى نفسك.
وهو أن تؤمن به كأنّه قدرٌ جميل لا يُفسَّر، بل يُعاش بكل ما فيه من تفاصيل ودهشة.
هو أن تختصر المسافات بنبضة، وأن تُكتب الحروف بنظرة، وأن يكون قربه وطنًا لا تُغادره الروح وإن ابتعدت الخطى…
وهو مكانٌ تسكنه؛ فلا أنت منه تغيب، ولا هو منك يرحل.
الحبّ ليس كلماتٍ تُكتب، بل مواقف تُخلَّد.
هو ذلك الإحساس الذي إن سكن القلب هذّبه ورقّاه، وجعله أكثر إنسانيةً وصدقًا.
هو قصيدةٌ لا تُقال بل تُعاش، وسرٌّ جميل لا يُفشى، بل يُحفظ في أعماق الروح.
الحبّ ليس أن تجد من يُشبهك، بل أن تجد من يُنصت لروحك حين تعجز الكلمات، ويحتويك دون أن يُطفئ نورك.
ومن الحبّ ما قتل… ليست عبارةً تُقال على سبيل المبالغة، ولا صورةً بلاغية، بل حقيقة تختصر وجعًا إنسانيًا عميقًا، حين يتحوّل الحبّ من طاقةٍ للحياة إلى سببٍ للمعاناة.
فليس كل حبٍّ يُحيي، ولا كل تعلّقٍ يُسعد؛ فبعض المشاعر، حين تُبنى على الوهم أو تُمنح في غير موضعها، تُرهق القلب حتى تُطفئ فيه النور.
هذا العنوان لا يُدين الحبّ في ذاته، بل يكشف وجهه الآخر حين يُساء فهمه أو يُساء عيشه، فيغدو عبئًا بدل أن يكون سكينة، وجرحًا بدل أن يكون شفاء.
إنه دعوة للتأمّل في حقيقة ما نشعر به، والتمييز بين حبٍّ يُحيينا… وآخر قد يقتلنا ونحن نظنّه الحياة.
الحبّ هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، والنبض الذي يفهمه القلب قبل العقل.
ليس مجرد كلمةٍ تُقال، ولا وعدٍ يُكتب، بل حالةٌ إنسانية عميقة تتجاوز المنطق أحيانًا، وتُعيد تشكيل الروح في أحيانٍ أخرى.
هو مزيجٌ من الشوق، والاحتواء، والقلق الجميل، والتعلّق النقي، وهو في أبهى صوره سكينةٌ تُشبه العودة إلى الذات.
الحبّ لا يُقاس بكثرة الكلام، بل بصدق المواقف، ولا بوهج البداية، بل بثبات الاستمرار.
هو ذاك الشعور الذي يجعلك أكثر اتزانًا لا أكثر اضطرابًا، وأكثر وضوحًا لا أكثر حيرة.
وإذا كان الحبّ في أصله نورًا، فإن سوء فهمه أو سوء عيشه قد يحوّله إلى ظلالٍ قاتمة تُثقل القلب بدل أن تُخفّفه.
ولعلّ أصدق ما يُجسّد الحبّ في نقائه القديم حكاياتٌ كثيرة، من أبرزها قصة العاشق الشهير قيس بن الملوّح، الذي صار مثالًا يُحتذى في الصدق؛ إذ هام حبًّا بليلى العامرية حتى عُرف بـ”مجنون ليلى”.
لم يكن حبّه نزوةً، ولا كلماتٍ منمّقة، بل كان وجعًا جميلًا، ووفاءً نادرًا، وعشقًا تجاوز حدود الواقع.
أحبّها بصدق حتى سكنته، فلم يعد يرى الدنيا إلا بعينيها، ولم يعد يسمع إلا صداها.
وحين حالت الظروف بينه وبينها، وفقًا لعادات العرب آنذاك بسبب شعره فيها، لم يخن العهد، ولم يبحث عن بديل، بل ظلّ وفيًّا لذكراها، يُناجي طيفها في الصحراء والجبال، ويُخلّدها في أشعاره.
كان حبّه حرمانًا، لكنه لم يكن خيانة، وكان ألمًا، لكنه لم يكن زيفًا.
وفي المقابل، حين ننظر إلى كثيرٍ مما يُسمّى حبًّا في زماننا، نجد فرقًا شاسعًا؛ فكم من مشاعر تبدأ بسرعة وتنتهي أسرع لعدم صدقها، وكم من وعود تُقال بلا وزن وتُكسر بلا ندم.
أصبح الحبّ عند البعض تجربةً مؤقتة، أو وسيلةً لملء الفراغ العاطفي، لا عهدًا يُصان، ولا قيمةً تُحترم.
كلماتٌ تُقال بسهولة مثل “أحبك”، لكنها تُسحب عند أول اختبار، وكأنها لم تكن.
بين قيسٍ الذي أحبّ حتى الجنون ولم يخن، وبين واقعٍ تُستبدل فيه القلوب كما تُستبدل الأشياء، تتجلّى الفجوة المؤلمة؛ فالحبّ لم يتغيّر، لكننا نحن من غيّر معناه.
ومن الحبّ ما قتل…
يقتل حين يُبنى على الوهم، وحين يُمنح لمن لا يُقدّره، وحين يتحوّل إلى انتظارٍ بلا نهاية.
ويقتل حين يُخدع القلب بصورٍ ملوّنةٍ ومعسولة، فيستفيق على وجعٍ لم يكن مستعدًا له.
لكن، رغم كل ذلك، يظل الحبّ النقي موجودًا وإن قلّ، حاضرًا في القلوب الصادقة التي تعرف قيمته، وتحفظ معناه، وتدرك أن الحبّ ليس كلامًا جميلًا منمّقًا، بل التزامٌ وأخلاقٌ وصدقٌ لا يتبدّل.
فلا تُسلّم قلبك لكل من طرق بابه، ولا تُغريك الوجاهة والبدايات اللامعة؛ فالحبّ ليس وعدًا يُقال، بل عهدٌ وفعلٌ يُثبت.
اختر من يُطمئن قلبك لا من يُربكه، من يبقى حين تتساقط الأقنعة، لا من يرحل عند أول اختبار.
تذكّر دائمًا… أن أجمل الحبّ ما أحياك، لا ما استنزفك، وأن أصدق المشاعر تلك التي لا تترك فيك ندبة.
ويبقى الحبّ سيفًا ذا حدّين؛ إمّا أن يكون يدًا تربّت على قلبك فتُعيد إليه الحياة، أو جرحًا ينزف ولا يُداوى…
فاختره بعقلك كما تشعر به بقلبك، ولا تنخدع ببريقه إن لم يسكنه الصدق؛ لأن الحبّ الصادق لا يُرهقك، بل يُرمّمك، ولا يُضيّعك، بل يُعيدك إلى نفسك أكثر اكتمالًا…
فما كان حبًّا صادقًا أحياك، وما كان غير ذلك… قتلك وأنت تبتسم.

بصيرتي ببرس بصيرة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى