عباس الماحى* *نقطة سطر جديد* *ليس من رأى كمن سمع*

ليس ممن رأى كمن سمع

كثيرٌ مما نسمعه قد يختلف تمامًا عمّا نراه بأمِّ أعيننا. فالسماع يفتح باب المعرفة، أمّا الرؤية فتفتح باب اليقين، والحقيقة الكاملة لا تُدرك بالكلام وحده، بل بالتجربة والمعاينة.
كثيرًا ما نسمع القصص والروايات عن أشخاص أو أماكن أو أحداث تحمل معاني كثيرة، فتتشكل في أذهاننا صورٌ قد تكون بعيدة عن الحقيقة؛ لأن الأحداث عند رؤيتها ليست كنقلها وتصويرها، ولأننا عندما نرى بأعيننا ندرك أن التجربة المباشرة تختلف تمامًا عمّا يُنقل بالكلام، ولهذا قال العرب قديمًا: «ليس من رأى كمن سمع».
إن السماع يمنح الإنسان معرفةً محدودةً بالحاضر الغائب، تعتمد على وصف الآخرين، أمّا الرؤية فتمنحه فهمًا أعمق ويقينًا أكبر…فدائمًا ما تكون رؤية الأشياء أريح للنفس من مجرد السماع عنها؛ لأن السمع، مهما كان وصفه دقيقًا، لا يجعلنا نعيش الواقع بتفاصيله…فالكلمات قد تصف المشاعر أو الأماكن أو الأحداث، لكنها تعجز عن نقل الإحساس الكامل الذي يشعر به الإنسان عندما يعيش التجربة بنفسه.
فالرؤية تُظهر التفاصيل التي قد تغيب عن الوصف والكلام. فقد يسمع الإنسان عن جمال الطبيعة في بلدٍ ما، لكن عندما يزوره ويرى الجبال والأنهار والسماء الصافية، يشعر بإحساسٍ لا يمكن للكلمات أن تنقله، وكذلك قد يسمع الطالب عن صعوبة أمرٍ معين، لكنه عندما يجرّبه بنفسه يكتشف أن الأمر أسهل أو أصعب مما قيل له.
وقد نقع أحيانًا في خطأ تقييم ما نسمعه، فنفسر الكلام بحسب الطريقة التي نُقل بها إلينا لا بحسب حقيقته، مما قد يؤدي إلى ظلم الآخرين أو تكوين انطباع غير صحيح عنهم؛ فكثير من الروايات تكون ناقصة أو مشوبة بالمبالغة.
ومن صور ذلك في حياتنا المعاصرة أن كثيرًا من القرارات المهمة تُبنى على أوصاف أو صور غير واضحة، مما يؤدي إلى نتائج غير دقيقة…فحتى اختيار الزوج أو الزوجة قد يعتمد أحيانًا على كلام الآخرين أو صور لا تُظهر الحقيقة كاملة، فتظهر بعد الزواج اختلافات كبيرة تُسبب مشكلات أسرية بسبب اختلاف الواقع عمّا كان متخيَّلًا.
وكذلك في المجال الإعلامي والصحفي؛ فكثير من الإعلاميين قد يعتمدون على معلومات منقولة أو صور ناقصة، مما يؤدي أحيانًا إلى تقديم صورة غير دقيقة عن الأشخاص أو الأحداث، فتتشكل أحكام وآراء بعيدة عن الحقيقة…ويُعدّ التثبت قبل إصدار الأحكام دليلَ عقلٍ وحكمة.
لذلك فإن الاعتماد على السماع وحده قد يجعل الإنسان يتخذ مواقف غير عادلة…ولهذا يعتمد العلماء والباحثون على المشاهدة والتجربة أكثر من اعتمادهم على النقل فقط؛ لأن الحقيقة الكاملة تظهر بالمعاينة المباشرة.
ومن جهة أخرى، يعلمنا هذا المثل ألّا نتسرع في إصدار الأحكام بناءً على ما نسمعه من الناس، فقد تكون الروايات ناقصة أو مبالغًا فيها، لذا من الحكمة أن نتحقق بأنفسنا قبل اتخاذ أي موقف أو قرار.
فالتجربة خير برهان، والرؤية أصدق من السماع.
ويبقى المثل «ليس من رأى كمن سمع» دعوةً إلى التثبت والتجربة المباشرة؛ لأن الرؤية تمنح الإنسان معرفةً أصدق وأقرب إلى الواقع من مجرد السماع.