عباس الماحى نقطة سطر جديد«لو كان الفقرُ رجلًا لقتلته»

عباس الماحى
ليست هذه العبارة مجرّد مبالغةٍ لغوية، بل تُعدّ من أشهر الأقوال المأثورة في ذمّ الفقر؛ فهي صرخةٌ إنسانية تختصر وجع الإنسان حين يُحاصَر بالعجز، وتُعبّر عن رفضٍ عميقٍ لواقعٍ مؤلمٍ يُجرّد البشر من أبسط حقوقهم، كما تمثّل دعوةً صريحةً للعمل على تغييره…إنها ليست دعوةً إلى العنف، بل دعوةٌ إلى الحياة؛ دعوةٌ لأن نقاتل الفقر بالفكر والعمل لا بالسلاح، وأن نُعيد للإنسان كرامته التي سلبتها قسوة الحاجة.، وقد وردت هذه المقولة في سياقاتٍ عديدة تأكيدًا لأهمية تحقيق العدالة الاجتماعية.
الفقر حالةٌ من الحرمان المؤلم الذي يمسّ الكرامة الإنسانية، ويقيّد طموحات الأفراد، ويحدّ من قدرتهم على العيش بسلامٍ وأمان، لذلك لم يكن غريبًا أن يُشبَّه بعدوٍ يجب القضاء عليه، لما يسبّبه من ألمٍ ومعاناةٍ تفوق الوصف…وهو في حقيقته ليس رقمًا في تقارير اقتصادية، ولا نسبةً تُعلن في المنصّات الإعلامية، بل حالةٌ إنسانية مركّبة تتداخل فيها الحاجة المادية مع الضغط النفسي، ويجتمع فيها الحرمان بأشكاله المختلفة.
فحين ينام طفلٌ جائعًا، لا لأنه لا يريد الطعام، بل لأن العالم لم يمنحه فرصته العادلة، هنا يتجلّى الفقر في أقسى صوره، وحين يقف شابٌّ على أعتاب حلمه عاجزًا عن بلوغه لأن الطريق إليه مُغلق بظروفٍ لم يخترها، يتكرّس الظلم في أبشع معانيه.
إن الفقر لا يُقاس فقط بما ينقص الجيب، بل بما ينقص الحياة نفسها؛ فهناك فقرُ المال، وفقرُ الفرص، وفقرُ الوعي، بل وحتى فقرُ الانتماء، حين يشعر الإنسان أنه غريبٌ في وطنه بلا دورٍ أو قيمة…ومن هنا، فإن أخطر ما في الفقر ليس الجوع وحده، بل فقدان الأمل؛ لأن الإنسان إذا فقد الأمل، فقد الدافع إلى التغيير.
وقد عرف الإنسان الفقر منذ فجر الحضارات، لكنه لا يزال قائمًا حتى يومنا هذا بأشكالٍ متعددة؛ فهناك الفقر المطلق الذي يعني العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية، كالغذاء والمأوى، وهناك الفقر النسبي الذي يظهر عند مقارنة مستوى معيشة الفرد بغيره في المجتمع…ومع ذلك، لم يكن الفقر يومًا قدرًا محتومًا، بل نتيجة لاختلالاتٍ يمكن معالجتها؛ فحين تغيب العدالة، ويتمركز المال في أيدي قلّة، وتتّسع الفجوة بين الطبقات، ينمو الفقر كظلٍّ ثقيلٍ يخنق المجتمعات.
كما تتعدّد أسبابه وتتشابك؛ فالبطالة تُعدّ من أبرزها، إذ يفقد الإنسان مصدر دخلٍ ثابت، كذلك يلعب ضعف التعليم أو تعثّره دورًا كبيرًا، إذ يُحرم الإنسان منه بسبب ظروفٍ خارجةٍ عن إرادته، مما يؤدي إلى تضييق فرص العمل، مرورًا بالحروب والنزاعات التي تدمّر الأوطان وتشرّد السكان، وصولًا إلى النمو السكاني غير المتوازن الذي يزيد الضغط على الموارد والخدمات.
ولا يمكن إغفال سؤالٍ مهم:
هل للإنسان دورٌ في استمرار الفقر؟
إن الإجابة، وإن كانت مؤلمة، تحمل قدرًا من الحقيقة؛ فليس الفقير هو المسؤول، بل الإنسان بوصفه جزءًا من منظومةٍ اجتماعية… فحين يرى القادرُ الفقيرَ ولا يمدّ له يد العون، وحين يمتلك الفرد القدرة على التغيير لكنه يختار اللامبالاة، وحين يغيب الحسّ الجماعي ويحلّ محلّه الانعزال، يجد الفقر بيئةً خصبةً للبقاء.
وهنا تتجلّى الحقيقة الأشد قسوة: ليس الفقر ما يقتل الإنسان، بل أخطر ما فيه أنه يُعلِّم الإنسان أن يحلم أقل… وحين يجوع إنسانٌ في عالمٍ مليءٍ بالخيرات، فالمشكلة تكون في ضمير من حوله؛ لأن وراء كل فقيرٍ حكايةَ فرصةٍ لم تكتمل، ولأن الفقر امتحانٌ للأغنياء قبل أن يكون معاناةً للفقراء.
إن أخطر ما يُبقي الفقر حيًّا ليس نقص المال، بل نقص التفاعل الإنساني. فالمجتمع لا يُبنى بالحكومات وحدها، بل بأفراده أيضًا، وكل إنسانٍ قادر، ولو بقدرٍ بسيط، أن يكون جزءًا من الحل: بكلمةٍ طيبة، أو مبادرةٍ صغيرة، أو دعمٍ لمحتاج، أو حتى بنشر وعيٍ يُغيّر فكرة، فالتغيير لا يبدأ من القمم فقط، بل من القلوب أيضًا.
أما آثار الفقر، فلا تقف عند حدود الحاجة، بل تمتدّ كدوائر متّسعة تمسّ كل جوانب الحياة؛ فهو يُضعف الصحة، ويُقصي التعليم، ويُنهك النفس، وقد يدفع بالبعض إلى سلوك طرقٍ مظلمة هربًا من قسوة الواقع…وعلى مستوى المجتمع، يُعيق التنمية، ويزرع التفاوت، ويُهدّد الاستقرار، ويُضعف تماسك النسيج الاجتماعي.
إن القضاء على الفقر لا يعني فقط توفير المال، بل يعني إعادة الأمل إلى الإنسان، ومنحه فرصةً ليعيش بكرامة ويساهم في بناء مجتمعه.
فالفقر ليس لعنةً أبدية، بل تحدٍّ يمكن تجاوزه. تبدأ معالجته ببناء إنسانٍ واعٍ، متعلّم، قادرٍ على الإنتاج؛ فالتعليم طوق نجاة، والعمل ليس مجرد دخل، بل كرامة، والعدالة ليست شعارًا، بل أساس الاستقرار.
كما أن دعم المشاريع الصغيرة، وتمكين الشباب، وتعزيز التكافل الاجتماعي، كلها أدواتٌ فعّالة لكسر دائرة الفقر وسدّ الفجوة بين الطبقات، ولا يقلّ عن ذلك أهميةً محاربة الفساد، لأنه يسرق فرص الفقراء قبل أن يسرق أموالهم.
إن الفقر لا يُهزم بكثرة المال وحده، بل بكثرة الأيادي التي تمتدّ لتبني، والقلوب التي تؤمن أن لكل إنسانٍ حقًا في حياةٍ كريمة.
حين نُحارب الفقر، لا نُطعم جائعًا فحسب، بل نُحيي إنسانًا، ونُعيد التوازن الذي اختلّ، ونشر قيم التكافل والتراحم وتفعيل دور المنظمات والمبادرات الخيرية.
فحين نفشل في إنقاذ إنسانٍ من الفقر، فإننا لا نخسر فردًا فحسب، بل نخسر جزءًا من إنسانيتنا.
فالقضاء على الفقر ليس مهمة جهةٍ واحدة، بل مسؤولية الجميع؛ فإمّا أن نكون شهودًا على معاناة الآخرين، أو شركاء في تغييرها… والفرق بينهما إنسان.
