Uncategorized

الأربعاء 15 أبريل (2026م)عباس الماحىنقطة سطر جديدالعلم نور


الأربعاء 15 أبريل (2026م)عباس الماحىنقطة سطر جديدالعلم نور

العلمُ نورٌ ليس مجرد تعبيرٍ بلاغيٍّ جميل، بل حقيقةٌ راسخةٌ تتجلّى في حياة الإنسان كلما اقترب من المعرفة، وكلما أضاء عقله بشعلة التعلّم، فالعلم في جوهره إدراكٌ واعٍ لما حولنا، وفهمٌ عميقٌ لسنن الحياة والكون، وهو الأداة التي تمكّن الإنسان من تفسير الظواهر، واتخاذ القرارات، وبناء ذاته ومجتمعه…وليس العلم زينةً ثقافيةً وفكريةً، بل هو ضرورةٌ إنسانية؛ به تتشكل شخصية الفرد، وتسمو روحه، ويتحرر فكره من قيود الجهل والخرافة، فالعلم نورٌ يهدي الحائر، ويكشف الغموض، ويبدّد ظلمات الجهل التي تُثقل الروح وتُقيّد الفكر، ويمنح الإنسان بصيرةً يرى بها الأمور على حقيقتها لا كما يُملى عليه.
والعلمُ هو النورُ الذي لا يُستعار… بل يُصنع في الداخل، وكلما ازداد اشتعالًا فيك، ازداد العالمُ وضوحًا من حولك.
فمنذ أن خُلق الإنسان، كان العلم رفيقه في رحلته الطويلة نحو الاكتشاف والبناء؛ به عرف أسرار الكون، وبه استطاع أن يحوّل الصحراء القاحلة إلى جنّاتٍ خضراء، وأن يفلح الأرض، ويعبر البحار، ويغزو الفضاء، ويصنع حضارةً تُخلّد أثره، فالعلم ضرورةٌ في حياتنا؛ به تُبنى الأمم، وتُصان الكرامات، وتُرسم ملامح المستقبل.
إن الجهل ظلامٌ كثيف، يجعل صاحبه أسيرًا للأوهام، سهلَ الانقياد، ضعيفَ الحُجّة، بينما يمنح العلم الإنسانَ قوةَ الفهم، وحريةَ التفكير، وكرامةَ الاختيار….وبالعلم ترتقي الأمم، فلا تُقاس حضارة الشعوب بثرواتها، بل بما تملكه من عقولٍ واعية، وأفكارٍ مستنيرة.
ولم يكن عبثًا أن تكون أول كلمةٍ نزلت في القرآن الكريم هي “اقرأ”، فهي دعوةٌ صريحةٌ إلى طلب العلم وإعلاء شأن المعرفة.
وقال أمير الشعراء أحمد شوقي:
العلمُ يرفعُ بيتًا لا عمادَ لهُ
والجهلُ يهدمُ بيتَ العزِّ والشرفِ
ولا يكتمل الحديث عن العلم دون التوقف عند دور المعلم، ذلك الذي يحمل رسالةً ساميةً تتجاوز حدود التلقين إلى بناء الإنسان وصياغة العقول… فالمعلم هو من يغرس بذور المعرفة، ويرعى العقول حتى تنضج، ويُشعل في النفوس شغف التعلّم.
وقد صدق الشاعر حين قال:
قم للمعلم وفّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولًا
فالمعلم ليس ناقلًا للمعرفة، بل قدوةٌ ومربٍّ فاضل، يوجّه ويُلهم، ويصنع أجيالًا قادرةً على حمل رسالة العلم والنهوض بالمجتمع…
ومن يقدّر المعلم، إنما يقدّر العلم ذاته، ويُعلي من شأن المستقبل.
وقد أدرك علماؤنا الأوائل هذه الحقيقة، فحملوا مشاعل النور، ونشروا العلم في أرجاء الأرض، فكانوا سببًا في نهضةٍ لا تزال آثارها شاهدةً إلى اليوم.
والعلم لا يقتصر على الكتب والشهادات، بل هو سلوكٌ وفهم، وأدبٌ ورُقيٌّ في التعامل؛ فكم من متعلّمٍ لم يُثمر علمُه عملًا، فلم ينتفع به، وبقي علمه حبيسَ الادراج والأوراق لا يتجاوز لسانه، وكم من إنسانٍ بسيطٍ لم ينل حظًا وافرًا من التعليم، لكنه امتلك من صفاء الفطرة وحكمة التجربة ما جعله نورًا يهدي غيره.
فالعبرة ليست بكثرة ما نحفظ، بل بصدق ما نُطبّق، وليس بارتفاع الشهادات، بل بعمق الأثر… والعلم الحقّ هو ما يُهذّب السلوك، ويُصلح النفس، ويُضيء للناس طريقهم.
وهذا لا يُقلّل من قيمة التعلّم، بل يؤكّد أن العلم مسؤولية؛ فالمتعلّم الحقّ أهدأُ الناس قولًا، وأرجحُهم عقلًا، وأبعدُهم عن الإزعاج والادّعاء، لأنه يدرك بوعيه حدود ما يعلم، ويعرف متى يتكلم ومتى يصمت ليستمع، ويميّز بحكمته بين الصواب والخطأ.
وليس لطالب العلم عمرٌ يحدّه، ولا زمنٌ يقيّده؛ فطلب العلم حقٌّ لكل إنسان في كل مرحلةٍ من حياته…فمن فاتهم الحظ في التعليم في صغرهم، فباب العلم ما زال مفتوحًا أمامهم، لا يُغلق ولا يضيق، فلا خجل في التعلّم، بل الخجل كل الخجل في البقاء في ظلام الجهل مع القدرة على النور.
كم من عظيمٍ بدأ متأخرًا، فسبق غيره بعزيمته، وكم من إنسانٍ غيّر مسار حياته لأنه قرر أن يتعلّم، ولو بعد حين، فالعلم لا يسأل عن عمرك، بل عن شغفك، ولا ينظر إلى بدايتك، بل إلى إصرارك.
إن أجمل ما في العلم أنه لا ينتهي، وكلما ظن الإنسان أنه بلغ غايته، اكتشف أن أمامه آفاقًا أوسع، وأن النور يمتد بلا حدود. ولذلك فإن طلب العلم رحلةُ عمرٍ لا محطةَ وصول.
من أراد أن يخرج من ضيق الحياة إلى سعتها، فليحمل مصباح العلم؛ فهو النور الذي لا يخون صاحبه، ولا ينطفئ في عتمة الأيام.
العلم نورٌ لا يخبو؛ فمن حمله أضاء دربه، ومن نشره أضاء دروب الآخرين…هو القوة التي ترفع الإنسان من حدود الواقع إلى رحابة الإمكان، ومن ضيق الجهل إلى سعة الفهم… فإذا أردت أن تترك أثرًا لا يزول، وأن تصنع لنفسك قيمةً لا تُشترى، فتمسّك بالعلم، واجعله رفيق دربك.
العلمُ ليس ما يملأ الذاكرة، بل ما يُضيء الضمير ويهدي السلوك.
ولن يُسأل الإنسان عمّا جمع من متاع، بل عمّا أضاء به العقول والقلوب؛ فاختر أن تكون نورًا…لأن النور وحده هو الذي يبقى حين ينطفئ كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى