Uncategorized

الخميس 9 أبريل (2026م)عباس الماحى نقطة سطر جديدرائحة ومذاق البن والطقوس العربية

عباس الماحى


منذ أن اكتُشفت القهوة في مرتفعات اليمن والحبشة، لم تكن مجرد مشروب، بل كانت شرارةً لحكاية إنسانية طويلة، ورمزاً ثقافياً عميقاً امتزج فيه الذوق بالروح، والعادة بالهوية، واللقاء بمعاني الكرم والضيافة.
يُروى أن أول من انتبه لتأثير البن هم الرعاة الذين لاحظوا نشاط مواشيهم بعد تناول حبوبه، لتبدأ رحلة هذا المشروب من الطبيعة إلى المجالس…فقد خرجت حبوب البن من عزلتها الطبيعية، وانتقلت من البساطة إلى الطقوس المتقنة، لتسلك طرق القوافل القديمة وتعبر الصحارى والبحار، حاملةً معها عبق الأرض وذاكرة المكان، ومؤسِّسةً لجسور من التواصل بين الشعوب…ولم تكن رحلتها انتقالاً مادياً فحسب، بل كانت انتقالاً ثقافياً وروحياً أعاد تشكيل عادات الناس وطقوسهم اليومية.
ومع مرور الزمن، لم تعد القهوة مجرد شراب يُنعش الجسد، بل أصبحت طقساً يومياً متجذّراً، ولحظة تأمل وسكون، ولغةً غير منطوقة يتبادل من خلالها الناس مشاعرهم؛ من الترحيب والكرم إلى المصالحة، ومن الفرح إلى الحزن. فهي تُقدَّم حين تُفتح أبواب البيوت، وتُسكب حين تُروى الحكايات في مجالس الأنس، وترافق الإنسان في وحدته كما في اجتماعه، وفي كل فنجان تختبئ قصة، وفي كل رائحة ينهض تاريخ طويل من التواصل الإنساني، صاغته المجالس واحتفظت به الذاكرة الجمعية جيلاً بعد جيل.
في العالم العربي، لم تكن القهوة يوماً مجرد شراب يُرتشف، بل كانت ولا تزال رمزاً أصيلاً للكرم وحسن الضيافة… وفي دول الخليج العربي، اكتسبت القهوة طقوساً خاصة تُجسّد منظومة متكاملة من القيم والتقاليد؛ فهي تُحضَّر بعناية، غالباً ممزوجة بالهيل، وقد يُضاف إليها الزعفران، وتُقدَّم في فناجين صغيرة دون امتلائها احتراماً لأصول الضيافة، ويحمل المضيف الدلّة بيده اليسرى، ويصبّ القهوة باليمنى، ويبدأ بتقديمها لكبير القوم أو الضيف الأهم، في إشارة واضحة إلى التقدير والمكانة.
كما أن لطريقة شربها دلالاتها؛ إذ يُكتفى عادة بثلاثة فناجين، لكل منها معنى رمزي متوارث، ويُعدّ هزّ الفنجان علامة على الاكتفاء. ولا تُقدَّم القهوة وحدها، بل ترافقها التمور، في انسجام يعكس البساطة والكرم في آنٍ واحد… وتبقى المجالس الخليجية، بما تحمله من هيبة وهدوء، فضاءً تتجلّى فيه القهوة كوسيط اجتماعي راقٍ يرسّخ قيم الاحترام والتواصل.
وفي شرق السودان، اكتسبت القهوة — ويُطلق عليها «الجبنة» — مكانةً خاصة لا تقل عمقاً عن سائر أنحاء العالم العربي، بل ربما تجاوزتها في ارتباطها الوثيق بحياة الناس وهمومهم اليومية، حتى غدت من الموروثات الأصيلة الراسخة…فقد ارتبطت القهوة هناك بقبائل المنطقة في حلّهم وترحالهم، ترافقهم في السفر كما في الاستقرار، وتُعدّ جزءاً من زادهم الروحي قبل أن تكون من زادهم المادي…وبروتوكولياً، كانت تُحضَّر في الهواء الطلق تحت ظلال الأشجار وعلى نار هادئة، وتُشرب في جلسات تجمع أفراد القبيلة، حيث تُروى الحكايات، وتُتداول الأخبار، وتُحسم أحياناً شؤون الحياة، بل وتُحلّ كثير من القضايا والخلافات الاجتماعية في أجواء إنسانية.
ومع مرور الزمن، انتشرت هذه العادة في مختلف أنحاء السودان، لتصبح القهوة (الجبنة) رمزاً للوئام الاجتماعي، وعنواناً لجلسات الود والمحبة مع الأهل والجيران والأصدقاء… وفي مناسبات الأفراح، تكتسب طقوسها طابعاً احتفالياً مميزاً، حيث تجتمع النسوة والرجال حول إعدادها وتقديمها في أطباق تضم الحلوى والتمر والفشار والتبلدي والنبق والألوب والدوم والمكسرات والبخور، فتغدو جزءاً من بهجة المناسبة، لا تكتمل بدونها لحظات الفرح، كما تحضر أيضاً في الأتراح، حيث تُقدَّم في مجالس العزاء علامةً على التماسك الاجتماعي ومواساة أهل الفقيد، فتخفف وطأة الحزن وتجمع الناس على كلمة التعاطف والصبر.
ولم تكن القهوة (الجبنة) في السودان بعيدة عن وجدان الشعراء والفنانين؛ إذ نظم الشعراء قصائد تغنّى بها الفنانون، فارتبط صوت الغناء بعمق الجلسات ورائحة البن المحمّص.
وفي تلك الأجواء الحميمة، تتجلّى صورة النسوة وهنّ يرددن الأغنيات التراثية أثناء سَحن البن بالطريقة البدائية باستخدام «الفندك»، حيث يتناغم إيقاع الطحن مع نبرة الصوت في لحن عفوي جميل يملأ المكان حياةً وأُنساً، وتتحول الجلسة إلى لوحة اجتماعية نابضة، يجتمع فيها الجيران والأصدقاء يتقاسمون الحديث والذكريات، بينما تمتزج نغمة الغناء برائحة البن مع الزنجبيل والقرفه والهيل(الحبهان) والقرنجان(الخولنجان)، فتُصاغ لحظة لا تُنسى من تفاصيل الحياة اليومية تختصر معنى الألفة والانتماء.
ويُعدّ تجهيز القهوة عند السودانيين طقساً قائماً بذاته، لا يقل أهمية عن شربها…تبدأ الحكاية بتحميص حبوب البن على النار في «القلاية»، حيث يتصاعد صوتها الشجي معلناً بداية الطقس، ثم تُطحن بعناية في أدوات تقليدية تحافظ على نكهتها الأصيلة، ثم تُسكب في «الشرقرق». غير أن العنصر الأهم في هذه الرحلة هو الرائحة؛ تلك الرائحة الزكية التي تملأ المكان وتستدعي الحضور قبل أن تُقدَّم القهوة نفسها في أوانٍ مزخرفة كالفخار، فعبق البن المحمّص يُعدّ بمثابة دعوة مفتوحة للجلسة وإشارة إلى بدء لحظة اجتماعية مشهودة. لذلك، لا يُنظر إلى القهوة في السودان كمشروب فحسب، بل كأجواء متكاملة تبدأ برائحتها وتكتمل بمذاقها، وتبقى عالقة في الذاكرة كجزء من تفاصيل الحياة اليومية.
وتختلف طقوس القهوة من بلد عربي إلى آخر، لكنها تشترك جميعاً في روحها الأصيلة، ففي الجزيرة العربية تُحضَّر القهوة العربية الخفيفة الممزوجة بالهيل والزعفران، وتُقدَّم في فناجين صغيرة مع التمر. بينما في بلاد الشام تميل القهوة إلى أن تكون داكنة وقوية، تُغلى بعناية وتُقدَّم مع رغوة خفيفة تعكس مهارة مُعدّها، أما في شمال أفريقيا فتُضاف لمسات محلية تجعل لكل فنجان شخصية مميزة تعبّر عن خصوصية المكان وثقافته.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت القهوة تحولاً لافتاً، خاصة بين أوساط الشباب، فلم تعد مجرد عادة يومية، بل أصبحت تجربة متكاملة تُعبّر عن الذوق الشخصي وأسلوب الحياة… انتشرت المقاهي الحديثة التي تمزج بين التراث والابتكار، وأصبح إعداد القهوة فناً قائماً بذاته يتنافس فيه عشاقها، من اختيار الحبوب والدول المنتجة، إلى طرق التحميص والاستخلاص، وصولاً إلى تقديمها بأساليب مبتكرة.
ومع هذا التطور، بقيت القهوة محتفظة بجوهرها: وسيلةً للتلاقي…فكم من حديث بدأ على فنجان قهوة، وكم من صداقة توطدت، وكم من فكرة وُلدت في حضرة رائحتها، إنها ليست مجرد مذاق يُدرك بالحواس، بل حالة شعورية تجمع بين العشق والحنين، وبين الماضي والحاضر.
القهوة ليست فناجين تُتداول بين الأيدي، بل قلوبٌ تقترب، وأرواحٌ تتعانق في أريحية، هي تلك اللحظة التي يهدأ فيها العالم لنصغي إلى بعضنا أكثر، ونشعر بأننا أقل وحدةً وأكثر إنسانية.
في رائحتها يسكن الحنين، وفي مذاقها تنبض الذكريات، وفي طقوسها تتجدد معاني القرب والانتماء.
هي ليست ما نشربه… بل ما نشعر به.
وليست ما يُقدَّم… بل ما يُبقى.
ففي فنجان القهوة لا ترتشف طعماً، بل ترتشف تاريخاً وهويةً.
وستظل القهوة، ما بقيت المجالس، وما بقي في القلب شوقٌ للقاء، لغةً لا تُترجم، ودفئاً لا يُنسى، وأثراً لا يمحوه الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى